أحق بالذم ، وهي الآخذة ما تعطي ، الراجعة فيما تهب ، بينا هي تضحك صاحبها إذ أضحكت منه غيره ، وبينا هي تبكي له إذ أبكت عليه ، وبينا هي تبسط كفه بالإعطاء إذ بسطتها بالإسترداد ، فتعقد التاج على رأس صاحبها اليوم وتعفره بالتراب غدا ، سواء عليها ذهاب ما ذهب وبقاء ما بقي ، تجد في الباقي من الذاهب خلفا ، وترضى بكل من كل بدلا .
وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز : أما بعد ، فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة ، وإنما أنزل آدم عليه السلام من الجنة إليها عقوبة ، فاحذرها يا أمير المؤمنين فإن الزاد منها تركها . والغنى منها فقرها . لها في كل حين قتيل . تذل من أعزها . وتفقر من جمعها . هي كالسم يأكله من لا يعرفه وفيه حتفه . فكن فيها كالمداوي جراحه يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا . ويصبر على شدة الدواء مخافة طول الداء . فاحذر هذه الدار الغدارة الختالة الخداعة التي قد تزينت بخدعها وفتنت بغرورها وخلت بآمالها وسوفت بخطابها . فأصبحت كالعروس المجلية ، العيون إليها ناظرة والقلوب عليها وآلهة ،
شرح
فالدنيا أحق بالذم ، هي الآخذة ما تعطي ، الراجعة فيما تهب ، بينا هي تضحك صاحبها إذا أضحكت منه غيره ، وبينا هي تبكي له إذا أبكت عليه ، وبينا هي تبسط كفه بالإعطاء إذ بسطتها بالاسترداد ، تعقد التاج على رأس صاحبها اليوم وتعفره في التراب غدا ) أي بعد أن تجعله رئيسا مملكا إذا هو معفر تحت التراب ( سواء عليه ذهاب ما ذهب وبقاء ما بقي ، تجد في الباقي من الذاهب خلفا ، وترضى من كل بدلا ) فمن هذا وصفه فهو حري بأن يقلى ويذم . أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا هكذا .
( وكتب الحسن ) البصري رحمه اللّه تعالى ( إلى عمر بن عبد العزيز ) رحمه اللّه تعالى يعظه في كتابه حين ولي الخلافة : ( أما بعد ؛ فإن الدنيا دار ظعن ) أي سفر ( ليست بدار إقامة ، وإنما أنزل آدم عليه السلام إليها عقوبة ) لما صدر منه ( من مخالفة الأمر ) وفي الحلية في ترجمة الفضل قال : ليست الدار دار إقامة ، وإنما أهبط آدم إليها عقوبة . ألا ترى كيف يزويها عنه ويمررها عليه ، ( فاحذرها يا أمير المؤمنين فإن الزاد منها تركها . والغنى منها فقرها . لها في كل حين قتيل . تذل من أعزها . وتفقر من جمعها . هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفة ) أي موته . ( فكن فيها كالمداوي جراحته يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا . ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء . فاحذر هذه الدار الغدارة الختالة ) أي الكثيرة الختل ( الخداعة التي قد تزينت بخدعها وفتنت بغرورها وخلت بآمالها وتشوّفت لخطابها ) وفي نسخة : سوّفت بخطابها . ( فأصبحت كالعروس المجلية المزينة ، فالعيون إليها ناظرة