تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
فما يكلم إخوانه ولا يعرف جيرانه ، وعرق عند ذلك جبينك ، وتتابع أنينك ، وثبت يقينك ، وطمحت جفونك ، وصدقت ظنونك ، وتلجلج لسانك ، وبكى إخوانك ، وقيل لك هذا ابنك فلان ، وهذا أخوك فلان ومنعت من الكلام فلا تنطق ، وختم على لسانك فلا ينطلق ، ثم حل بك القضاء وانتزعت نفسك من الأعضاء ، ثم عرج بها إلى السماء ، فاجتمع عند ذلك إخوانك وأحضرت أكفانك ، فغسلوك وكفنوك ، فانقطع عوّادك واستراح حسادك ، وانصرف أهلك إلى مالك ، وبقيت مرتهنا بأعمالك . وقال بعضهم لبعض الملوك : إن أحق الناس بذم الدنيا وقلاها من بسط له فيها وأعطى حاجته منها ، لأنه يتوقع آفة تعدو على ماله فتجتاحه أو على جمعه فتفرقه ، أو تأتي سلطانه فتهدمه من القواعد ، أو تدب إلى جسمه فتسقمه ، أو تفجعه بشيء هو ضنين به بين أحبابه ، فالدنيا
شرح
أوصى ) بكذا وكذا ( ولماله أحصى ) أي ضبط ، ( ثم يقال : قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه ولا يعرف جيرانه ، وعرق عند ذلك جبينك وتتابع أنينك ) وهو صوت المريض وتتابعه تعاقبه ، ( وثبت يقينك ، وطمحت جفونك ، وصدقت ظنونك ، وتلجلجل لسانك ، وبكى إخوانك ، وقيل لك هذا ابنك فلان ، وهذا أخوك فلان ، ومنعت الكلام فلا تنطق ) لشدة ما نزل بك ، ( وختم على لسانك فلا ينطلق ثم حل به القضاء ) المحتوم ( وانتزعت نفسك من الأعضاء ، ثم عرج بها إلى السماء ، فاجتمع عند ذلك إخوانك وأحضرت اكفانك ، فغسلوك وكفنوك ، فانقطع عوّادك ) الذين كانوا يعودونك أيام المرض ( واستراح حسادك ، وانصرف أهلك إلى مالك وبقيت مرتهنا ) أي محبوسا ( بأعمالك ) إن خيرا فخير وإن شرا فشر . وفي كلام علي رضي اللّه عنه في أثناء خطبته : بينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك إليه في ظل عيش غفول إذ وطأ الذهر به حسكه ، ونقصت الأيام قواه ، ونظرت إليه الحقوق من كثف ، فخالطه من لا يعرفه ، ومحاه منهم ما كان يجده ، وتولدت فيه فترات علل إنسي ما كان بصحته ، ففزع إلى ما عوّده الأطباء من تسكين الحار القار وتحريك البارد بالحار ، فلم يطفئ ببارد إلا ثور حرارة ، ولا حرّك بحار إلا هيج برودة ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع إلا أمدّ منها كل ذات داء ، حتى فتر معلله وزهد ممرضه وتعايا أهله بصفة دائه ، وخرسوا عن جواب السائلين عنه ، وتنازع دونه شبحا خير يكتمونه ، فقائل هو لما به وممن لهم إياب عاقبته ومصير لهم على فقره يذكر لهم أسى الماضين من قبله ، فبينما هو كذلك على جناح من أف الدنيا وترك الأحبة إذ عارض . ( وقال بعضهم لبعض الملوك : إن أحق الناس بذم الدنيا وقلاها ) أي بغضها ( من بسط له فيها وأعطي حاجته منها ، لأنه يتوقع آفة تعدو على ماله فتجتاحه ) أي تستأصله بالهلاك ( أو على جمعه فتفرقه ، أو تأتي سلطانه فتهدمه من القواعد ) فلا يثبت له سلطانه ، ( أو تدب إلى جنبه فتسقمه ) أي تمرضه ، ( أو تفجعه بشيء هو ضنين به ) أي بخيل ( من أحبابه ،