إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 576
بيان المواعظ في ذم الدنيا وصفتها : قال بعضهم : يا أيها الناس اعملوا على مهل ، وكونوا من اللّه على وجل ، ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل ، ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدّارة خدّاعة ، قد تزخرفت لكم بغرورها وفتنتكم بأمانيها ، وتزينت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلية ، العيون إليها ناظرة والقلوب عليها عاكفة والنفوس لها عاشقة ، فكم من عاشق لها قتلت ، ومطمئن إليها خذلت ، فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثير بوائقها وذمها خالقها ، جديدها يبلى ، وملكها يفنى ، وعزيزها يذل ، وكثيرها يقل ، وحيها يموت ، وخيرها يفوت ، فاستيقظوا رحمكم اللّه من غفلتكم ، وانتبهوا من رقدتكم قبل أن يقال فلان عليل أو مدنف . فقيل ؛ فهل على الدواء من دليل ، أو هل إلى الطبيب من سبيل ؟ فتدعى لك الأطباء ولا يرجى لك الشفاء ثم يقال : فلان أوصى ولماله أحصى ، ثم يقال قد ثقل لسانه الهواء ، وأما المبصرات فخيالات صائرات إلى الفناء . قال الراغب : وقد ذكر اللّه تعالى أصل ذلك في قوله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ [ آل عمران : 14 ] الآية فالمشار إليه بحرث الدنيا إلى هذه الأشياء السبعة على ما ذكره علي رضي اللّه عنه ، والعشرة على ما ذكره غيره ، وكلا القولين في التحصيل واحد . بيان المواعظ في ذم الدنيا وصفتها : ( قال بعضهم ) في موعظته : ( يا أيها الناس اعملوا على مهل ) أي في مهلة من عمركم ، ( وكونوا من اللّه ) علا وجلّ ( على وجل ) أي خوف منه ، وللّه در من قال : كن من مواهب ذا الكريم * علا وجل على وجل واعلم بان قضاءه * حتم أجل وله أجل ( ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل ، ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدّارة ) كثيرة الغدر ( خدّاعة ) كثيرة الخداع ، ( وقد تزخرفت لكم بغرورها ، وفتنتكم بأمانيها ، وتزينت لخطّابها ، فأصبحت كالعروس المجلية ) عند إهدائها لزوجها ، ( العيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها عاكفة ) أي مقيمة محبوسة ، ( والنفوس لها عاشقة ، فكم من عاشق لها قتلت ومطمئن إليها خذلت ، فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثرت بوائقها ) أي دواهيها ، ( وذمها خالقها ) فهو أعرف بها منا . ( جديدها يبلى ، وملكها يفنى ، وعزيزها يذل ، وكثيرها يقل ، وحيها يموت ، وخيرها يفوت ) أي لا يستمر ، ( فاستيقظوا من غفلتكم ، وانتبهوا من رقدتكم قبل أن يقال فلان عليل ) أي مريض ( أو مدنف ) كمكرم من لازمه الدنف محركة أي المرض وقد دنف كعلم وأدنف وأدنفه المرض . ( فقيل : فهل على الدواء من دليل ، وهل إلى الطبيب من سبيل ؟ فيدعى لك الأطباء ولا يرجى لك الشفاء ثم يقال : فلان