تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
يحيى بن معاذ حيث قال : معاشر الصديقين جوّعوا أنفسكم لوليمة الفردوس ، فإن شهوات الطعام على قدر تجويع النفس ، فكل ما ذكرناه من آفات الشبع فإنه يجري في كل الشهوات وتناول اللذات فلا نطوّل بإعادته ، فلذلك يعظم الثواب في ترك الشهوات من المباحات ويعظم الخطر في تناولها حتى قال صلّى اللّه عليه وسلم : « شرار أمتي الذين يأكلون مخ الحنطة » وهذا ليس بتحريم بل هو مباح على معنى أن من أكله مرة أو مرتين لم يعص ، ومن دوام عليه أيضا فلا يعصي بتناوله ولكن تتربى نفسه بالنعيم فتأنس بالدنيا وتألف اللذات وتسعى في طلبها فيجرها ذلك إلى المعاصي فهم شرار الأمة . لأن مخ الحنطة يقودهم إلى اقتحام أمور ، تلك الأمور معاص . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم » وإنما همتهم ألوان الطعام وأنواع اللباس ويتشدقون في
شرح
من حديث أبي هريرة « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » ورواه البزار والعسكري والقضاعي من حديث ابن عمر مثله ، وروى أبو نعيم من حديث ابن عمر مرفوعا « يا أبا ذر الدنيا سجن المؤمن والقبر أمنه والجنة مصيره ، يا أبا ذر إن الدنيا جنة الكافر والقبر عذابه والنار مصيره والمؤمن من لم يجزع من دنياه » الحديث . وروى أحمد من حديث عبد اللّه بن عمر « والدنيا سجن المؤمن وسنته فإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة » . ( وإليه الإشارة بقول يحيى بن معاذ ) الرازي الواعظ رحمه اللّه تعالى ( حيث قال : معاشر الصديقين جوّعوا أنفسكم لوليمة الفردوس فإن شهوة الطعام على قدر تجويع النفس ) نقله صاحب القوت ففيه إشارة إلى أن من يؤثر الآخرة ولذتها وطعامها ينهي نفسه عن لذة الدنيا ويكفها عن شهواتها وكلما زادت رياضة النفس بالتجويع زادت شهوتها إلى الطعام ، ( فكل ما ذكرناه من آفات الشبع ) فيما تقدم ، ( فإنها تجري في كل الشهوات وتناول اللذات فلا نطوّل بإعادته ، فلذلك يعظم الثواب في ترك الشهوات من المباحات ويعظم الخطر في تناولها ، حتى قال صلّى اللّه عليه وسلم « شرار أمتي الذين يأكلون مخ الحنطة » ) قال العراقي : لم أجد له أصلا . ( وهذا ) إن صح وروده ( ليس بتحريم ) لمخ الحنطة ، ( بل هو مباح على معنى أن من أكله مرة أو مرتين لم يعص ) اللّه تعالى ، ( ومن دوام عليها أيضا فلا يعصى ) اللّه تعالى ( بتناوله ولكن تتربى نفسه بالنعيم فتأنس بالدنيا وتألف اللذات وتسعى في طلبها ) على قدر الجهد ، ( فيجرها ذلك إلى المعاصي فهم شرار الأمة ) بهذا المعنى ، ( لأن مخ القمح ) مع المداومة عليه ( يقودهم إلى اقتحام ) أي ارتكاب ( أمور تلك الأمور معاص ) للّه تعالى . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم « شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم وبنيت عليه أجسامهم » وإنما همتهم أنواع الطعام وأنواع اللباس ويتشدقون في الكلام ) أي يتوسعون فيه من غير تحرز ولا احتياط . قال العراقي : رواه ابن عدي في الكامل من طريق البيهقي في الشعب من حديث فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وروي من حديث فاطمة بنت الحسين مرسلا . قال الدارقطني في العلل : إنه أشبه بالصواب ، ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث عائشة بإسناد لا بأس به اه .