الوظيفة الثالثة : في نوع الطعام وترك الأدام وأعلى الطعام مخ البرّ فإن نخل فهو غاية الترفه وأوسطه شعير منخول ، وأدناه شعير لم ينخل ، وأعلى الأدم اللحم والحلاوة ، وأدناه الملح والخل ، وأوسطه المزوّرات بالأدهان من غير لحم ، وعادة سالكي طريق الآخرة الامتناع من الأدام على الدوام بل الامتناع عن الشهوات فإن كان لذيذ يشتهيه الإنسان فأكله اقتضى ذلك بطرا في نفسه وقسوة في قلبه وأنسا له بلذات الدنيا حتى يألفها ويكره الموت ولقاء اللّه تعالى وتصير الدنيا جنة في حقه ويكون الموت سجنا له .
وإذا منع نفسه عن شهواتها وضيق عليها وحرمها لذاتها صارت الدنيا سجنا عليه ومضيقا له فاشتهت نفسه الإفلات منها ، فيكون الموت إطلاقها . وإليه الإشارة بقول
شرح
( الوظيفة الثالثة : في نوع الطعام وترك الأدام ) وهو أي الطعام على ثلاث مراتب ، ( وأعلى الطعام مخ البر ) أي لبابه الذي يتحصل بعد نخل دقيقة بالمنخل الحرير بعد المنقلة ، ( فإن نخل ) كذلك ( فهو غاية الترفه ) وخبزه يعرف بالسميد أولا ينخل مطلقا وخبزه هو المعروف بالخشكار وفيه مرتبة تليها ، وذلك أن ينخل بالمنخل الغير المانع وهي ملحقة بالأولى لما فيه من الترفه أيضا . ( وأوسطه شعير منخول ) كما ذكرنا ، ( وأدناه شعير لم ينخل ) وإنما يعجن بما فيه من النخالة سواء نفخ فطار منه ما طار أو لم ينفخ ، ( وأعلى الأدم اللحم ) وقد وردت فيه أخبار تؤذن بعلوه ففي حديث بريدة عند البيهقي في الشعب : « سيد الأدام في الدنيا والآخرة اللحم » ( والحلاوة ) وهي المركبة من سمن وعسل ولها أنواع تقدم ذكرها في كتاب الأطعمة ، ( وأدناه الملح والخل ) أي كل منهما بانفراد عن الآخر ، ( وأوسطه المزوّرات ) وهي الأطعمة التي لا يكون فيها شيء من اللحوم بخلاف المزفرات وإنما اتخذت ( بالأدهان ) والأذهان كسائر السمون وما يعصر من قلوب الأشجار كاللوز والفستق والجوز وكالزيت ودهن السمسم ( من غير لحم ) أي من غير أن يكون فيها شيء من لحم كما ذكرناه . وفي القوت : فإن كان لا بدّ من فاكهة مع الخبز الذي هو قوت النفس ، فكما أطعم اللّه الفقراء في الكفارة وهو التوسط في الأدام الذي أمر به وأحبه للفقراء من الخبز واللبن لأن أعلى الأدام اللحم والحلواء ، وأدناه الملح والخل فلم يأمر تعالى بأعلاه لأنه يشق على الأغنياء ولم يأمر بأدناه لأنه يشق على الفقراء وتوسط الأمر بينهما ، فقال : من أوسط ما تطعمون أهليكم ، فهو ما ذكرناه على ذلك . ( وعادة سالكي طريق الآخرة الامتناع من الآدام على الدوام ، بل الامتناع من الشهوات مطلقا فإن كل لذيذ يشتهيه الإنسان ) وتدعو إليه نفسه وتطالبه به ، ( وأكله اقتضى ذلك بطرا في نفسه ) من جهة متابعته للشهوة ( وقسوة في قلبه وأنسا له بلذات الدنيا حتى يألفها ) ويأنس بها ، ( ويكره الموت ولقاء اللّه تعالى ) لا محالة لأن الفطم عن المألوف صعب ، ( وتصير الدنيا جنة في حقه ويكون الموت سجنا له ) ومضيقا ( وإذا منع نفسه شهواتها وضيق عليها وحرمها ) أي منعها ( فاشتهت نفسه الانفلات منها سريعا فيكون الموت إطلاقها ) من ذلك المضيق والحبس ، وقد روى مسلم