تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
حيث قال : الدنيا والآخرة ضرتان ، فبقدر ما ترضي إحداهما تسخط الأخرى . وقال الحسن : واللّه لقد أدركت أقواما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه ، ما يبالون أشرقت الدنيا أم غربت ، ذهبت إلى ذا أو ذهبت إلى ذا ؟ وقال رجل للحسن : ما تقول في رجل آتاه اللّه مالا فهو يتصدق منه ويصل منه ، أيحسن له أن يتعيش فيه ؟ - يعني يتنعم - فقال : لا ، لو كانت له الدنيا كلها ما كان له منها إلا الكفاف ويقدم ذلك ليوم فقره . وقال الفضيل : لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليّ حلالا لا أحاسب عليها في الآخرة لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مرّ بها أن تصيب ثوبه . وقيل : لما قدم عمر رضي اللّه عنه الشام فاستقبله أبو عبيدة بن الجراح على ناقة مخطومة بحبل ، فسلّم وسأله ، ثم أتى منزله فلم ير فيه إلا سيفه وترسه ورحله ، فقال له عمر رضي اللّه عنه : لو اتخذت متاعا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إن هذا يبلغنا المقيل . وقال
شرح
رضي اللّه عنه حيث قال ) في تشبيه الدنيا والآخرة ( الدنيا والآخرة ضرتان فبقدر ما ترضى إحداهما تسخط الأخرى ) وقد روي ذلك أيضا من قول وهب بن منبه كما في الحلية ، ومثله قول عون بن عبد اللّه المسعودي : الدنيا والآخرة في العبد ككفتي الميزان ترجح إحداهما فتخف الأخرى . ( وقال الحسن ) البصري رحمه اللّه تعالى : ( واللّه لقد أدركت أقواما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي يمشون عليه ما يبالون أشرقت الدنيا أم غربت ذهبت إلى ذا أم ذهبت إلى ذا ) نقله صاحب القوت ، ( وقال رجل للحسن ) البصري . ( ما تقول في رجل آتاه اللّه مالا فهو يتصدق منه ويصل منه ويحسن فيه أله أن يتعيش فيه ، يعني التنعم . فقال : لا ) يجوز له . ( لو كانت له الدنيا كلها ما كان له منها إلا الكفاف ويقدم ذلك ليوم فقره ) نقله صاحب القوت بلفظ : سئل عن الرجل يوسع عليه في رزقه هل له أن يتسع في الشهوات . فقال : لا واللّه إذا لو كانت له الدنيا لم يكن ينبغي أن يأخذ من ماله إلا للحاجة والكفاية من غير سرف ولا تبذير ويقدم فضول ذلك لآخرته ذخيرة له اه . والكفاف . هو ما يكف به نفسه فيما لا بدّ له منه ، فهذا هو الذي لا يعد من الدنيا . ( وقال الفضيل ) بن عياض رحمه اللّه تعالى : ( لو أن الدنيا بحذافيرها ) أي بجملتها ( عرضت علي حلالا لا أحاسب بها في الآخرة أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه ) أخرجه أبو نعيم في الحلية عن محمد بن جعفر بن يوسف ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا إسماعيل بن يزيد ، حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال : سمعت الفضيل يقول فذكره . ( وقيل : قدم عمر رضي اللّه عنه الشام ) قدمته الأولى ( فاستقبله أبو عبيده ) عامر ( بن الجراح ) رضي اللّه عنه ( على ناقة مخطومة بحبل ) أي خطامها من حبل الليف ، ( فسلم ) عليه ( وسأله ، ثم أتى منزله فلم ير فيه إلا سيفه وترسه ورحله ، فقال له عمر رضي اللّه عنه : لو اتخذت