وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لعائشة : « إياك والسرف فإن أكلتين في يوم من السرف ، وأكلة واحدة في كل يومين اقتار ، وأكلة في كل يوم قوام بين ذلك » . وهو المحمود في كتاب اللّه عز وجل .
ومن اقتصر في اليوم على أكلة واحدة فيستحب له أن يأكلها سحرا قبل طلوع الفجر فيكون أكله بعد التهجد وقبل الصبح فيحصل له جوع النهار للصيام وجوع الليل للقيام ، وخلوّ القلب لفراغ المعدة ورقة الفكر واجتماع الهم ، وسكون النفس إلى المعلوم
شرح
وأحمد بن السندي قالا : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، حدثنا أيوب بن حبان ، حدثنا الوضين بن عطاء ، عن عطاء بن أبي رباح قال : دعي أبو سعيد الخدري إلى وليمة وأنا معه فرأى صفرة وخضرة ، فقال : أما تعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا تغدى لم يتعش وإذا تعشى لم يتغد ، ( وكان السلف يأكلون في كل يوم أكلة ) نقله صاحب القوت . ( وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم لعائشة رضي اللّه عنها « إياك والسرف فإن أكلتين في كل يوم من السرف » ) كذا في القوت . قال العراقي : رواه البيهقي في الشعب من حديث عائشة وقال : في إسناده ضعف ( وأكلة واحدة في كل يومين اقتار ، وأكلة في كل يوم قوام بين ذلك وهو المحمود في كتاب اللّه عز وجل ) يشير إلى قوله تعالى :وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً[ الفرقان : 67 ] ولفظ القوت بعد إيراده هذه الآية ، فكان الاكلتين في يوم من الإسراف ، وأكلة في يومين من الاقتار ، وأكلة في يوم قوام بين ذلك . وأقول على هذا أن أكل أربعة أرغفة سرف ، ورغيفين قتر ، وثلاثة أرغفة قوام حسن ، وهذا أعدل الأقوات ، ولا يعجبني أكل أربعة أرغفة في مقام واحد لأني لا آمن الازدياد فيصير ذلك معتادا فإن كان عن جوع شديد أو عدة لسفر أو عدم فلا بأس ، وقد كان للصحابة أكلتان وشربتان . فالاكلتان الوجبة والغبوق فالوجبة من الوقت إلى الوقت ، والغبوق أن يشرب مذقة لبن أو يأكل كف تمر عند النوم أو بعد عتمة أو يكون عند الظهيرة ، وقد يكون سحرا . والشربتان العلل والنهل ، فالنهل الشربة الأولى من اللبن بمنزلة الوجبة والعلل الشربة الثانية بمثابة الغبوق من نقيع تمر أو زبيب أو لبن يقوم مقام الأكلتين فهي تمام الري والأولى علالة للنفس من العطش فسمى عللا ، وكان من أخلاق السلف ترك الشبع اختيارا لأنفسهم لخفة الجسم أو مؤاساة الفقراء أو مساواة لهم في الحال لئلا يتفضلوا عليهم في حالهم .
( ومن اقتصر في كل يوم على أكلة واحدة ) وكان صائما ( فيستحب له أن ) يعمل في تأخير الافطار على رياضة و ( يأكلها ) أي تلك الأكلة ( سحرا ) أي في وقت السحر ولا يجاوزه ، وهو ( قبل طلوع الفجر فيكون أكله بعد التهجد وقبل الصبح فيحصل له ) بذلك خمسة أشياء : ( جوع النهار للصيام ) أي لأجله ، والأولى بالصيام ، ( وجوع الليل للقيام ، وخلو القلب لفراغ المعدة ، ورقة الفكر ) أي صفائه ، ( واجتماع الهم ) بخلو القلب ، ( وسكون