فتصبح قصورهم قبورا وجمعهم بورا . وسعيهم هباء منثورا ودعاؤهم ثبورا ، هذه صفتها وكان أمر اللّه قدرا مقدورا . والصلاة على محمد عبده ورسوله المرسل إلى العالمين بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا . وعلى من كان من أهله وأصحابه له في الدين ظهيرا وعلى الظالمين نصيرا وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد ؛ فإن الدنيا عدوّة للّه وعدوّة لأولياء اللّه وعدوّة لأعداء اللّه ، أما عداوتها للّه فإنها قطعت الطريق على عباد اللّه . ولذلك لم ينظر اللّه إليها منذ خلقها . وأما عداوتها لأولياء اللّه عز وجل : فإنها تزينت لهم بزينتها وعمتهم بزهرتها ونضارتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها . وأما عداوتها لأعداء اللّه : فإنها استدرجتهم بمكرها وكيدها فاقتنصتهم بشبكتها حتى وثقوا بها . وعوّلوا عليها فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها .
فاجتنوا منها حسرة تتقطع دونها الأكباد . ثم حرمتهم السعادة أبد الآباد . فهم على فراقها يتحسرون ومن مكايدها يستغيثون ولا يغاثون . بل يقال لهم :
اخْسَؤُا فِيها وَلا
شرح
أي هلاكا ( وسعيهم هباء ) ما يرى في ضوء الشمس ( منثورا ) أي مبددا . ( وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ) وهذا السياق منتزع من خطبة لعلي رضي اللّه عنه ذكرها صاحب نهج البلاغة ، وسيأتي ذكر بعضها ( والصلاة على ) سيدنا ( محمد عبده ورسوله المرسل إلى العالمين ) أي كافة الخلق أجمعين ( بشيرا ) لأهل الإيمان بالجنان ( ونذيرا ) أي منذر الأهل الكفر بالنيران ( وعلى من كان من آله وأصحابه له في الدين ظهيرا ) أي معينا في إقامته ( وعلى الظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والنفاق ( نصيرا ) أي ناصرا ( وسلم ) تسليما ( كثيرا ) .
( أما بعد : فإن الدنيا عدوة للّه وعدوة لأولياء اللّه وعدوة لأعداء اللّه . أما عداوتها للّه فإنها قطعت الطريق على عباد اللّه ) السالكين إليه ، ( ولذلك ) أي لأجل عداوتها للّه ( لم ينظر اللّه إليها ) نظر عناية ( منذ خلقها ) كما ورد ذلك في الخبر ، وسيأتي بيانه . ( وأما عداوتها لأولياء اللّه فإنها تزينت لهم بزينتها وعمتهم ) أي شملتهم ( بزهرتها ونضارتها ) وهي متاعها وزينتها ( حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها ) وقطعوا النظر عن زينتها . ( وأما عداوتها لأعداء اللّه فإنها استدرجتهم ) أي أخذتهم درجة درجة ( بمكرها ومكيدتها واقتنصتهم ) أي صادتهم ( بشبكتها ) وهي محركة آلة الصيد ، ( حتى وثقوا بها ) أي اطمأنوا بها ، ( وعوّلوا ) أي اعتمدوا ( عليها فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها فاجتنوا منها حسرة تنقطع دونها الأكباد ثم حرمتهم السعادة أبد الآباد ) أي إلى آخر الدهر . ( فهم على فراقها يتحسرون ) أي يتلهفون ، ( ومن مكائدها يستغيثون ولا يغاثون ) أي ولا ينصرون ، ( بل يقال لهم :اخْسَؤُا) أي ذلوا( فِيها وَلا تُكَلِّمُونِأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ