بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي عرف أولياءه غوائل الدنيا وآفاتها . وكشف لهم عن عيوبها وعوراتها حتى نظروا في شواهدها وآياتها ، ووزنوا بحسناتها سيئاتها فعلموا أنه يزيد منكرها على معروفها ولا يفي مرجوها بمخوفها ولا يسلم طلوعها من كسوفها ، ولكنها في صورة امرأة مليحة تستميل الناس بجمالها ، ولها أسرار سوء قبائح تهلك الراغبين في وصالها ، ثم هي فرارة عن طلابها شحيحة بإقبالها وإذا أقبلت لم يؤمن شرها ووبالها ، إن أحسنت ساعة أساءت سنة .
وإن أساءت مرة جعلتها سنة ، فدوائر إقبالها على التقارب دائرة ، وتجارة بنيها خاسرة بائرة ، وآفاتها على التوالي لصدور طلابها راشقة ، ومجاري أحوالها بذل طالبيها ناطقة ،
شرح
بسم اللّه الرحمن الرحيم
( الحمد للّه الذي عرف أولياءه غوائل الدنيا ) أي دواهيها قاله الكسائي وقيل الغائلة الفساد والشر ، ( وآفاتها وكشف لهم عن عيوبها وعوراتها ) . أصل العورة السوأة سميت بها لقبح انكشافها والنظر إليها وكل شيء يستره الانسان أنفة وحياء فهو عورة ، ( حتى نظروا في شواهدها وآياتها ) الدالة عليها ، ( ووزنوا بحسناتها سيئاتها فعلموا أنه يزيد منكرها على معروفها ) المنكر ما أنكره العقل والشرع والمعروف ضده ، ( ولا يفي ) من الوفاء ( مرجوّها بخوفها ) أي مخوفها يزيد على مرجوّها ( ولا يسلم طلوعها من كسوفها ) أي من تغيرها وزوالها ، ( ولكنها في صورة امرأة مليحة ) الصورة ( تستميل الناس ) أي تصرفهم إليها ( بجمالها ) أي زينتها . أشار بذلك إلى ما ذكر صاحب القوت أنه قد كوشف بها بعض الأولياء في صورة امرأة ، ورأى أكف الخلق ممدودة إليها وهي تجعل في أيديهم شيئا قال : وطائفة تمر عليها مكتوفي الأيدي لا ينظرون إليها فلا تعطيهم شيئا ، ( ولها أسرار سوء قبائح تهلك الراغبين في وصالها ) أي مواصلتها ، ( ثم هي فرارة ) أي كثيرة الفرار والشرود ( عن طلابها ) جمع طالب ( شحيحة بإقبالها ) أي بخيلة به إن هي أقبلت على أحد منهم لم تعطه من اقبالها شيئا ، ( وإذا أقبلت لم يؤمن شرها ) أي ضررها ونكايتها ( ووبالها ) أي وخمها وسوء عاقبتها ( إن أحسنت ) إلى أحد ( ساعة ) من الدهر ( أساءت سنة ) وهي عند العرب أربعة أزمنة ، ( وإن أساءت مرة ) واحدة ( جعلنها ) أي الإساءة ( سنّة ) متبعة لا تنثني عنها ، ( فدوائر اقبالها على التقارب دائرة ) أي تدور دوائرها بالهلاك متقاربة ، ( وتجارة بنيها ) أي أولادها ( خاسرة ) غير رابحة ( بائرة ) من البوار وهو الهلاك ، ( وآفاتها على التوالي ) أي على تعاقب الزمن ( بصدور طلابها راشقة ) كما ترشق السهام بالأغراض ، ( ومجاري أحوالها بذل طالبيها