تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
فكل مغرور بها إلى الذل مصيره . وكل متكبر بها إلى التحسر مسيرة . شأنها الهرب من طالبها والطلب لها ربها ، ومن خدمها فاتته ، ومن أعرض عنها واتته ، لا يخلو صفوها عن شوائب الكدورات ولا ينفك سرورها عن المنغصات ، سلامتها تعقب السقم ، وشبابها يسوق إلى الهرم ، ونعيمها لا يثمر إلا الحسرة والندم فهي خداعة مكارة ، طيارة فرارة ، لا تزال تتزين لطلابها حتى إذا صاروا من أحبابها ، كشرت لهم عن أنيابها ، وشوّشت عليهم مناظم أسبابها ، وكشفت لهم عن مكنون عجابها ، فأذاقتهم قواتل سمامها ، ورشقتهم بصوائب سهامها ، بينما أصحابها منها في سرور وإنعام إذ ولت عنهم كأنها أضغاث أحلام ، ثم عكرت عليهم بدواهيها فطحنتهم طحن الحصيد ووارتهم في أكفانهم تحت الصعيد ، إن ملكت واحدا منهم جميع ما طلعت عليه الشمس جعلته حصيدا كأن لم يغن بالأمس . تمني أصحابها سرورا وتعدهم غرورا حتى يأملون كثيرا ويبنون قصورا .
شرح
ناطقة ) أي مصرحة بلسان حالها . ( فكل متعزز بها إلى الذل مصيره ) أي مرجعه وعاقبته ، ( وكل متكثر بها إلى التحسر ) أي التلهف ( مسيره شأنها الهرب من طالبها ) أي تفر ممن يطلبها ( والطلب لهاربها ) أي تطلب من هرب عنها وولاها بظهره ( من خدمها ) وفي نسخة من قصدها ( فاتته ، ومن أعرض عنها واتته ) أي وافقته ( لا يخلو صفوها عن شوائب الكدورات ) والشوائب هي الأدناس والأقذار . واحدها شائبة قاله الجوهري . ( ولا ينفك سرورها عن المنغصات ) أي المكدرات ( سلامتها تعقب السقم ) أي المرض ( وشبابها يسوق إلى الهرم ) أي الضعف والكبر ، ( ونعيمها لا يثمر إلا الحسرة والندم فهي خداعة ) كثيرة الخداع ، ( مكّارة ) كثير المكر ، ( طيّارة ) كثير الطيران ، ( فرّارة ) كثيرة الفرار فهي كما قال بعضهم : وأجاد إن جلت أوجلت أو حلت أوحلت أو كست أوكست ( لا تزال تتزين لطلابها ) بأنواع الزين ، ( حتى إذا ركنوا ) إليها و ( صاروا من أحبابها كشرت لهم عن أنيابها ) أي أفصحت لهم بالعداوة والشر ، كما أن الكلب إذا هرّ على أحد كشر عن أنيابه أي أظهر ( وشوّشت ) أي غبرت وخلطت ( عليهم مناظم أسبابها ) أي الأسباب المنطومة في سلك الاعتدال ، ( وكشفت لهم عن مكنون عجائبها فأذاقتهم قواتل سمامها ) جمع سم ( ورشقتهم بصوائب سهامها ) أي رمتهم بسهامها الصائبة التي لا تكاد تخطىء ( بينما أصحابها منها في سرور وانعام إذ ولت عنهم ) أي أدبرت ( كأنها أضغاث أحلام ) كناية عن الشيء كأنه لم يكن ، ( ثم كرت ) أي رجعت ( عليهم بدواهيها ) أي شدائدها ( فطحنتهم طحن الحصيد ) أي الزرع المحصود ( ووارتهم ) أي سترتهم ( في أكفانهم تحت الصعيد ) أي وجه الأرض ( إن ملكت واحدا جميع ما طلعت عليه الشمس جعلته حصدا ) أي محصودا ومكسرا ( كان لم يغن بالأمس تمنّي أصحابها سرورا وتعدهم غرورا ) أي تغرهم في وعدها ( حتى يؤملون كثيرا ويبنون قصورا ) أي أبنية مرتفعة ( فتصبح قصورهم قبورا ) أي تؤول إليها ( وجمعهم بورا )
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 535 | مرتضى الزبيدي