تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
قلبه إلى تفاصيل أحوال العباد ، بل ينظر إلى الكل بعين واحدة وهي عين الرحمة ، ويرى الكل عباد اللّه وأفعالهم أفعالا للّه ، ويراهم مسخرين وذلك إن كان فهو كالبرق الخاطف لا يدوم ، ثم يرجع القلب بعد ذلك إلى طبعه ويعود العدو إلى منازعته - أعني الشيطان - فإنه ينازع بالوسوسة فمهما قابل ذلك بكراهته وألزم قلبه هذه الحالة فقد أدى ما كلفه . وقد ذهب ذاهبون إلى أنه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه لما روي عن الحسن أنه سئل عن الحسد فقال : غمه فإنه لا يضرك ما لم تبده ، وروي عنه موقوفا ومرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ثلاثة لا يخلو منهن المؤمن وله منهن مخرج » فمخرجه من الحسد أن
شرح
إلى أن لا يلتفت قلبه إلى تفاصيل أحوال العباد ، بل ينظر إلى الكل بعين واحدة وهي عين الرحمة ويرى الكل عباد اللّه وأفعالهم أفعالا ويراهم مسخرين ) ولا يتم ذلك إلا بعد الترقي من حضيض المجاز إلى ارتفاع الحقيقة واستكمال المعراج فيرى ما ذكر بالمشاهدة العيانية وتسفي عنه الكثرة بالكلية ويستغرق بالفردانية المحضة ، فلا يبقى فيه متسع لغير اللّه تعالى ، ثم في نظره إلى الكل بعين الرحمة تفصيل ، فإن كان ممن يصرف الغافلين إلى اللّه تعالى بطريق اللطف وينظر إلى العصاة لا بعين الازدراء فهو في تجلي اسمه الرحمن ، وإن كان ممن لا يدع فاقة لمحتاج إلا سدّها بقدر طاقته أو شاركه في الحزن بسبب حاجته فهو في تجلي اسمه الرحيم ، ( وذلك إن كان ) أي وجد ( فهو كالبرق الخاطف لا يدوم ) مع العارف ولا يستمر بل تارة وتارة ( ويرجع القلب بعد ذلك إلى طبعه ) الذي جبل عليه ، ( ويعود العدو إلى منازعته أعني الشيطان فإنه ينازع بالوسوسة ) ويسوّل له ما يوافق هوى النفس ، ( فمهما قابل ذلك بكراهته وألزم قلبه هذه الحالة فقد أدى ما كلفه ) فإن هذا القدر هو الذي يدخل تحت الاختيار ، ( وقد ذهب ذاهبون إلى أن لا يأثم إذا لم يظهر الحسد عن جوارحه ، كما روي عن الحسن ) البصري رحمه اللّه تعالى ( أنه سئل عن الحسد فقال : غمه فإنه لا يضرك ما لم تبده ) تقدم قريبا بلفظ : سأل رجل الحسن هل يحسد المؤمن ؟ قال : ما أنساه بني يعقوب . نعم ولكن غمه في صدرك وأنه لا يضرك ما لم تعد به يدا أو لسانا . ( وروي عنه موقوفا ) عليه ( ومرفوعا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال « ثلاث لا يخلو منهن مؤمن وله منهن مخرج فمخرجه من الحسد ان لا يبغي » ) . أما الموقوف وهو مرسل الحسن ، فرواه ابن أبي الدنيا في ذم الحسد ، ورستة في كتاب الإيمان له بلفظ : « ثلاث لم تسلم منها هذه الأمة الحسد والظن والطيرة ألا أنبئكم بالمخرج منها إذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وإذا تطيرت فامض » . وأما المرفوع بلفظ « ثلاث لازمات لأمتي سوء الظن والحسد والطيرة فإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فاستغفر اللّه وإذا تطيرت فامض » هكذا رواه أبو الشيخ في كتاب التوبيخ ، والطبراني في الكبير من حديث حارثة بن النعمان ، وقد تقدم ذكر كل من اللفظين قريبا .