في ذلك كلاما كثيرا إلى أن قال في الراهب : إن المسيح كان يطوي أربعين يوما وإن ذلك معجزة لا تكون إلا لنبي أو صديق ، فقال له الصوفي ، فإن طويت خمسين يوما تترك ما أنت عليه وتدخل في دين الإسلام وتعلم أنه حق . وأنك على باطل ؟ قال : نعم فجلس لا يبرح إلا حيث يراه حتى طوى خمسين يوما ثم قال : وأزيدك أيضا فطوى إلى تمام الستين ، فتعجب الراهب منه وقال : ما كنت أظن أن أحدا يجاوز المسيح ؟ فكان ذلك سبب اسلامه . وهذه درجة عظيمة قلّ من يبلغها إلا مكاشف محمول شغل بمشاهدة ما قطعه عن طبعه وعادته واستوفى نفسه في لذته وأنساه جوعته وحاجته .
شرح
وطمع في إسلامه وترك ما هو عليه من الغرور ، فكلمه في ذلك كلاما كثيرا إلى أن قال له الراهب : إن المسيح كان يطوي أربعين يوما وأن ذلك معجزة لا تكون إلا لنبي أو صديق ) ولفظ القوت : وإنما نعتقد إعجاز هذا وأنه لا يكون إلا لنبي ، ( فقال له الصوفي : إن طويت خمسين يوما تركت ما أنت عليه وتدخل في دين الإسلام وتعلم أنه حق ) ولفظ القوت : إن ما نحن عليه حق ( وإنك على باطل قال : نعم فجلس لا يبرح إلا بحيث يراه حتى طوى خمسين يوما ) ولفظ القوت فقعد عنده لا يبرح ولا يذهب إلا حيث يراه الراهب إلى أن طوى خمسين يوما . ( ثم قال : وأزيدك أيضا فطوى إلى تمام الستين ) يوما ( فتعجب الراهب ) منه واعتقد فضله وفضل دينه ، ( وقال : ما كنت أظن أن أحدا يجاوز المسيح ) عليه السلام . أي فعله في الطي ولكن هذه أمة تشبه بالأنبياء في . العلم والفضل ، ( فكان ذلك سبب إسلامه ) نقله صاحب القوت . قال وبعضهم يقول لا يوقن العبد يقينا ثابتا يحكم عليه بالاستقامة فيه ولبسة حال لازمة ، وعلم نافذ في الملكوت إلا بمشاهدة قدرة من قدرة الغيب برأي عين تظهر له بشهادة دائمة يقوم بها وتضطره ، فعند هذا يعرف من اللّه تعالى وصفه المخصوص القيوم به ، ويصح لعبد مراد بهذا الطريق المنهج له طي أربعين في سنة وأربعة أشهر على ما نزلنا من تأخير الأوقات وقتا بعد وقت حتى تندرج الليالي في الأيام ، وتدخل الأيام في الليالي فتكون الأربعون بمنزلة يوم واحد وليلة واحدة وهذا طريق المقربين .
وقد أشار المصنف لهذا فقال : ( وهذه درجة عظيمة قلما يبلغها إلا ) مراد به ( كاشف له ) بشهادة ( محمول ) فيه قد ( شغل بمشاهدة ما ) شغله عن نفسه و ( قطعه عن طبعه وعادته ، واستوفى نفسه في لذته وأنساه جوعته وحاجته ) وكشف له حقيقته ومرجوعه . قال صاحب القوت : وقد عرفنا من كان فعل ذلك وظهرت له آيات من الملكوت وكشف له عن معاني قدرة الجبروت تجلّى اللّه عز وجل بها وفيها كيف شاء . وقال صاحب العوراف ، قيل لسهل التستري رحمه اللّه تعالى : هذا الذي يأكل في كل أربعين أو أكثر أكلة واحدة أين يذهب لهب الجوع ؟ قال : يطفئه النور ، وقد سألت بعض الصالحين عن ذلك فذكر لي كلاما بعبارة دلت على إنه يجد فرحا بربه ينطفيء معه لهب الجوع ، وهذا في الخلق واقع إن الشخص يطرقه فرح ، وقد كان جائعا فيذهب