وقد انضاف إلى ذلك أنك غششت رجلا من المؤمنين وتركت نصيحته وفارقت أولياء اللّه وأنبياءه في حبهم الخير لعباده تعالى ، وشاركت إبليس وسائر الكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم . وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب ، وتمحوها كما يمحو الليل النهار . وأما كونه ضررا عليك في الدنيا فهو أنك تتألم بحسدك في الدنيا أو تتعذب به ، ولا تزال في كمد وغم إذ أعداؤك لا يخليهم اللّه تعالى عن نعم يفيضها عليهم فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم فتبقى مغموما محروما متشعب القلب ضيق الصدر قد نزل بك ما يشتهيه الأعداء لك وتشتهيه لأعدائك ، فقد كنت تريد المحنة لعدوّك فتنجزت في الحال محنتك وغمك نقدا ، ومع هذا فلا تزول النعمة عن الحسود بحسدك ولو لم تكن تؤمن بالبعث والحساب لكان مقتضى الفطنة إن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد لما فيه من ألم القلب ومساءته مع عدم النفع ، فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة ؟
فما أعجب من العاقل كيف يتعرض لسخط اللّه تعالى من غير نفع يناله بل مع ضرر
شرح
واستعظام كما يقال حسبك وتأويلها أنه غاية تنهاك عن طلب غيره ، ( وقد انضاف إليه أنك غششت رجلا من المؤمنين وتركت نصحيته ) التي أوجبها اللّه عليك ، ( وفارقت أولياء اللّه وأنبياءه في حبهم الخير لعباد اللّه وشاركت إبليس وسائر الكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا ) والمصائب والمحن وزوال النعم . ( وهذه خبائث في القلوب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب ) كما رواه ابن ماجة من حديث أنس وتقدم ( وتمحوها ) أي تنسخها وتزيلها ( كما يمحو الليل النهار . وأما كونه ضررا في الدنيا عليك فهو أنك تتألم بحسدك في الدنيا وتتعذب به ولا تزال في كمد وغم ) وحزن ( إذ أعداؤك ) الذين تحسدهم ( لا يخليهم اللّه عز وجل عن نعم يفيضها عليهم ) ظاهرة وباطنة ، ( فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها وتتألم لكل بلية تنصرف عنهم فتبقى مغموما ) مكمودا ( محروما متشعب القلب ) أي متفرقة ، ( ضيق الصدر كما تشتهيه لأعدائك وكما تشتهي أعداؤك لك ) أن تكون كذلك ، ( فقد كنت تريد المحنة ) والبلية ( لعدوّك فنجزت ) أي حصلت ناجزة ( في الحال محنتك وغمك نقدا ، ولا تزول النعمة عن المحسود بحسدك ) إذ ليس ذلك بيدك ، ( ولو لم تكن تؤمن بالبعث ) والنشور ( والحساب ) والجزاء ( لكان مقتضى الفطنة إن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد ) أي من الاتصاف به ( لما فيه من ألم القلب ) الذي لا ينفك عنه ( ومساءته ) وانقباضه ( مع عدم النفع ) فيه ( فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة ) والوعيد والتهديد ، ( فما أعجب من العاقل كيف يتعرض لسخط اللّه ) وغضبه ومقته ( من غير نفع يناله ) في آجله أو عاجله ( مع ضرر يحتمله وألم يقاسيه ) طول حياته ، ( فيهلك بذلك دينه