يعرف لم يشتق ، ومن لم يشتق لم يطلب ، ومن لم يطلب لم يدرك ، ومن لم يدرك بقي مع المحرومين في أسفل السافلين ،
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
[ الزخرف : 36 ] .
بيان الدواء الذي به ينفى مرض الحسد عن القلب :
اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل ، والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين ، وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين ، بل ينتفع به فيهما . ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدوّ نفسك وصديق عدوّك فارقت الحسد لا محالة . أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء اللّه تعالى ، وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده ، وعدله الذي أقامه في ملكه بخفي حكمته فاستنكرت ذلك واستبشعته ، وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الإيمان ، وناهيك بهما جناية على الدين .
شرح
من ذاق طعم شراب القوم يدريه * ومن داره غدا بالروح يشريه( ومن لم يعرف لم يشتق ) لفقدان الذوق الذي هو أصل الشوق وإليه أشار القائل :ولو يذوق عاذ لي صبابتي * صبا معي لكنه ما ذاقا( ومن لم يشتق لم يطلب ) لأن طلب الشيء لا يكون إلا بعد الاشتياق إليه ، كما أن الاشتياق لا يتم إلا بالذوق والذوق سبيل المعرفة ، ( ومن لم يطلب لم يدرك ) المطلوب ( ومن لم يدرك بقي مع المحرومين الأشقياء المطرودين في أسفل السافلين ) وإليه الإشارة بقوله تعالى :( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ).