ما خص به من الاجتباء ، ولما دعي إلى السجود استكبر وأبى وتمرد وعصى . فقد عرفت أنه لا حسد إلا للتوارد على مقصود يضيق عن الوفاء بالكل ، ولهذا لا ترى الناس يتحاسدون على النظر إلى زينة السماء ويتحاسدون على رؤية البساتين التي هي جزء يسير من جملة الأرض ، وكل الأرض لا وزن لها بالإضافة إلى السماء ، ولكن السماء لسعة الأقطار وافية بجميع الأبصار فلم يكن فيها تزاحم ولا تحاسد أصلا . فعليك إن كنت بصيرا وعلى نفسك مشفقا أن تطلب نعمة لا زحمة فيها ولذة لا كدر لها ، ولا يوجد ذلك في الدنيا إلا في معرفة اللّه عز وجل ومعرفة صفاته وأفعاله وعجائب ملكوت السماوات والأرض . ولا ينال ذلك في الآخرة إلا بهذه المعرفة أيضا . فإن كنت لا
شرح
علم به إذ هو أول من حسد ، ( وذكر من صفاته أنه حسد آدم ) عليه السلام ( على ما خص من الاجتباء ) والاختصاص ( ولما دعي إلى السجود استكبروا أبى وتمرد وعصى ) وإنما حمله على ذلك وصف الحسد ، ( فقد عرفت أنه لا حسد إلا للتوارد على مقصود يضيق عن الوفاء بالكل ، ولهذا لا ترى الناس يتحاسدون على النظر إلى زينة السماء ) وما فيها من عجائب الصنع ، ( ويتحاسدون على البساتين التي هي جزء يسير من جملة الأرض وكل الأرض لا وزن لها بالإضافة إلى السماء ) ، لأن عجائب ملكوت السماء أكثر من عجائب ملكوت الأرض ، فلهذه النسبة لا وزن للأرض إذا قوبلت بالسماء . وقد ألف بعضهم في المفاخرة بينهما رسالة وإلا فالجزء اليسير منها وهي التي ضمت جسد النبي صلّى اللّه عليه وسلم توازن السماوات كلها والعرش كما صرح به العلماء ، ( ولكن السماء لسعة الأقطار وافية بجميع الأبصار فلم يكن فيها تزاحم ولا تحاسد أصلا ) وقد يقال : إن سبب التحاسد على الجزء اليسير من الأرض كالبساتين مثلا إنما هو لكونه مما تملكه اليد وهو مظنة التزاحم ، وأما عجائب السماء فإنها ليست كذلك فلا مظنة للتزاحم فيها إلّا لكونها واسعة الأقطار فتأمل ذلك ( فعليك ) أيها المتأمل المسترشد ( إن كنت بصيرا ) بعين قلبك ( وعلى نفسك مشفقا أن تطلب نعيما لا زحمة فيه ولذة لا مكدر لها ولا يوجد ذلك في الدنيا إلا في معرفة اللّه ومعرفة صفاته وأفعاله وعجائب ملكوت السماء والأرض ) فإن النظر فيها مما يقوي المعرفة باللّه ، ( ولا ينال ذلك في الآخرة أيضا إلا بهذه المعرفة أيضا ) أعلم أنه لا يحيط مخلوق من ملاحظة حقيقة ذات اللّه تعالى إلا بالحيرة والدهشة ونهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة ومعرفتهم بالحقيقة هي أنهم لا يعرفونه ، وأنهم لا يمكنهم البتة معرفته ، وأنه يستحيل أن يعرف اللّه المعرفة الحقيقية المحيطة بكنه صفاة الربوبية إلا اللّه تعالى ، فإذا انكشف ذلك إنكشافا برهانيا كما سنذكره فقد عرفوه أي بلغوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من معرفته ، وأما اتساع المعرفة فيكون في معرفة أسماء وصفاته والخلق متفاوتون فيها ، فبقدر ما انكشف من معلومات اللّه وعجائب مقدوراته وبدائع آياته في الدنيا والآخرة والملك والملكوت تزداد معرفتهم باللّه تعالى ، وتقرب معرفتهم من معرفة الحقيقة وللمقربين من معاني الأسماء والصفات حظوظ ثلاثة .