تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
تشتاق إلى معرفة اللّه تعالى ولم تجد لذتها وفتر عنها رأيك وضعفت فيها رغبتك فأنت في ذلك معذور إذ العنين لا يشتاق إلى لذة الوقاع ، والصبي لا يشتاق إلى لذة الملك ، فإن هذه لذات يختص بإدراكها الرجال دون الصبيان والمخنثين ، فكذلك لذة المعرفة يختص بإدراكها الرجال
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[ النور : 37 ] ولا يشتاق إلى هذه اللذة غيرهم لأن الشوق بعد الذوق ، ومن لم يذق لم يعرف ، ومن لم
شرح
الأول : معرفة هذه على سبيل المكاشفة والمشاهدة حتى تتضح لهم حقائقها بالبرهان الذي لا يجوز فيه الخطأ وينكشف لهم اتصاف اللّه انكشافا يجري في الوضوح ، والبيان مجرى اليقين الحاصل للإنسان بصفاته الباطنة التي لا يدركها إلا بمشاهدة باطنة لا بإحساس ظاهرة . الثاني : استعظامهم ما ينكشف لهم من صفات الجلال على وجه ينبعث منه شوقهم إلى الاتصاف بما يمكنهم من تلك الصفات ليقربوا بها من الحق قربا بالصفة لا بالمكان ، فيأخذوا من الاتصاف بها شبها من الملائكة المقربين عند اللّه تعالى . الثالث : السعي في اكتساب المحكي من تلك الصفات والتحلي بمحاسنها ، وبه يصير العبد ربانيا ورفيقا للملأ الأعلى من الملائكة ، فإنهم على بساط القرب ، فمن قرب إلى شبه من صفاتهم نال شيئا من قربهم بقدر ما نال من أوصافهم المقربة له من الحق ، فمن كملت له هذه الحظوظ الثلاثة فهو الذي نال نعيما لا زحمة فيه ولذة لا مكدر لها ، فأما من كان حظه من معاني ما يتعلق باللّه تعالى بأن يسمع لفظا ويفهم تفسيره في اللغة ووضعه ويعتقد بالقلب وجود معناه للّه تعالى فهو منجوس الحظ نازل الدرجة وهو نقص ظاهر بالإضافة إلى ذروة الكمال . ( فإن كنت لا تشتاق إلى معرفة اللّه ولا تجد لذتها وفتر عنها رأيك وضعفت فيها رغبتك فأنت في ذلك معذور ) فلن يتصور أن يمتلئ القلب بالمعرفة إلا ويتبعها شوق وعشق للصفة التي كانت بابا لتلك المعرفة وحرص على التحلي بها لو كان ذلك ممكنا بكمالها وإلّا فينبعث الشوق إلى القدر الممكن منها لا محالة ولا يخلو عن الشوق أصلا إلا لأحد أمرين : إما لضعف اليقين بكون الوصف المعلوم من أوصاف الجلال والكمال ، وإما لكون القلب ممتلئا بشوق آخر مستغرقا به ، ( فالعنين ) الذي لا شهوة له ( لا يشتاق إلى شهوة الوقاع ، والصبي ) الذي لم يكمل تمييزه ( لا يشتاق إلى لذة الملك ، فإن هذه لذات يختص بإدراكها الرجال دون الصبيان والمخنثين ) المتشبهين بالنساء ، ( وكذلك لذة المعرفة يختص بمعرفتها الرجال ) المقربون للحضرة الإلهية فلهم فيها حظ وافر . ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه ) فهي عندهم في مرتبة التحقيق والانكشاف وعند غيرهم على الإيهام والتشبيه والمشاركة في الاسم كما يقال للعنين : الوقاع لذيذ كالسكر فهو يصدقه ، ولكن تلك اللذة لا تشبه هذه البتة ولكن تشاركها في الاسم ، ( ولا يشتاق إلى هذه اللذة غيرهم لأن الشوق ) يكون ( بعد الذوق ) فمن ذاق اشتاق ، ( ومن لم يذق لم يعرف ) وإليه أشار بعض العارفين بقوله :