أيضا لو عرف مثل معرفته لم ينقص من لذته بل زادت لذته بمؤانسته ، فتكون لذة هؤلاء في مطالعة عجائب الملكوت على الدوام أعظم من لذة من ينظر إلى أشجار الجنة وبساتينها بالعين الظاهرة ، فإن نعيم العارف وجنته معرفته التي هي صفة ذاته يأمن زوالها وهو أبدا يجني ثمارها فهو بروحه وقلبه مغتذ بفاكهة علمه وهي فاكهة غير مقطوعة ولا ممنوعة بل قطوفها دانية ، فهو وإن غمض العين الظاهرة فروحه أبدا ترتع في جنة عالية ورياض زاهرة ، فإن فرض كثرة في العارفين لم يكونوا متحاسدين بل كانوا كما قال فيهم رب العالمين :
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
[ الحجر : 47 ] فهذا حالهم وهم بعد في الدنيا فما ذا يظن بهم عند انكشاف الغطاء ومشاهدة المحبوب في العقبى ؟ فإذا لا يتصوّر أن يكون في الجنة محاسدة ولا أن يكون بين أهل الجنة في الدنيا محاسدة لأن الجنة لا مضايقة فيها ولا مزاحمة ، ولا تنال إلا بمعرفة اللّه تعالى التي لا مزاحمة فيها في الدنيا أيضا ، فأهل الجنة بالضرورة براء من الحسد في الدنيا والآخرة جميعا ، بل الحسد من صفات المبعدين عن سعة عليين إلى مضيق سجين ، ولذلك وسم به الشيطان اللعين ، وذكر من صفاته أنه حسد آدم عليه السلام على
شرح
لأحد من الخلق ، لأن غيره أيضا لو عرف مثل معرفته لم ينقص من لذته ، بل زادت لذته بمؤانسته ، فتكون لذة هؤلاء في مطالعة عجائب الملكوت على الدوام أعظم من لذة من ينظر إلى أشجار الجنة وبساتينها بالعين الظاهرة ، فإن نعيم العارف وجنته معرفته التي هي صفة ذاته يأمن زوالها وهو أبدا يجني ثمارها ) ويقطف أنوارها ، ( فهو بروحه وقلبه مغتذ بفاكهة علمه ) وثمرة معرفته وفهمه ( وهي فاكهة ) شهية ( غير مقطوعة ولا ممنوعة بل قطوفها دانية ) أي قريبة التناول سهلة المأخذ ( فهو وإن غمض العين الظاهرة فروحه أبدا ترتع في جنة عالية ) أي رفيعة المقدار ( ورياض زاهرة ) أي ذات زهر وثمار أو نيرة مضيئة ، ( فإذا فرض كثرة في العارفين لم يكونوا متحاسدين ) بعضهم لبعض ، ( بل كانوا كما قال فيهم رب العالمين ) جل وعز :( وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ) *أي حقد وحسد( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَفهذا حالهم وهم في ) عالم ( الدنيا فمن تظن بهم عند انكشاف الغطاء ) ورفع الحجاب ، ( ومشاهدة المحبوب في العقبى ، فإذا لا يتصور أن يكون في الجنة محاسدة ، ولا أن يكون بين أهل الجنة في الدنيا محاسدة لأن الجنة لا مضايقة فيها ولا محاسدة ، ولا تنال ) أي الجنة ( إلا بمعرفة اللّه التي لا مزاحمة فيها في الدنيا أيضا ، فأهل الجنة بالضرورة براء من الحسد ) وغيره من أوصاف النقص ( في الدنيا والآخرة جميعا بل الحسد من صفات المبعدين ) المطرودين ( عن سعة عليين إلى مضيق سجين ) والعليون : درجة من درجات الجنة ، والسجين : طبقة من طبقات الجحيم . ( ولذلك وسم به الشيطان اللعين ) أي