تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
فيه وغرضهم المنزلة عند اللّه تعالى ؛ ولا ضيق أيضا فيما عند اللّه تعالى لأن أجل ما عند اللّه سبحانه من النعيم لذة لقائه وليس فيها ممانعة ومزاحمة ولا يضيق بعض الناظرين على بعض بل يزيد الأنس بكثرتهم . نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسدوا لأن المال أعيان وأجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر ، ومعنى الجاه ملك القلوب ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص عنه لا محالة فيكون ذلك سببا للمحاسدة ، وإذا امتلأ قلب بالفرح بمعرفة اللّه تعالى لم يمنع ذلك أن يمتلئ قلب غيره بها وأن يفرح بذلك ، والفرق بين العلم والمال أن المال لا يحل في يد ما لم يرتحل عن اليد الأخرى ، والعلم في قلب العالم مستقر ويحل في قلب غيره بتعليمه من غير أن يرتحل من قلبه ، والمال أجسام وأعيان ولها نهاية . فلو ملك إنسان جميع ما في الأرض لم يبق بعده مال يتملكه غيره والعلم لا نهاية له ولا يتصوّر استيعابه ، فمن عوّد نفسه الفكر في جلال اللّه وعظمته وملكوت أرضه وسمائه صار ذلك ألذ عنده من كل نعيم ، ولم يكن ممنوعا منه ولا مزاحما فيه ، فلا يكون في قلبه حسد لأحد من الخلق لأن غيره
شرح
العذب كثير الزحام فالمراد به كثرة الواردين عليه من غير تزاحم فيه ، فإن المورد العذب من حيث هو عذب يرد عليه القاصي والداني ولا يزاحم أحد صاحبه لسعته . هذا إن كان المراد به معرفة اللّه سبحانه وإلا فالموارد العذبة سواها شأنها أن يتزاحم عليها ( وغرضهم المنزلة عند اللّه ) والحظوة لديه ، ( ولا ضيق أيضا فيما عند اللّه لأن أجل ما عند اللّه من النعيم لذة لقائه وليس فيها ممانعة ولا مزاحمة ولا يضيق بعض الناظرين على بعض ) كما ورد في الخبر : « هل تضامون في رؤية القمر في ليلة البدر » الحديث . ( بل يزيد الأنس بكثرتهم . نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسدوا ) لا محالة ، ( لأن المال هو أعيان وأجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر ) فهذا سبب التحاسد ، ( ومعنى الجاه ملك القلوب ، ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر ) مطلقا ( أو نقص منه لا محالة فيكون ذلك سببا للمحاسدة ) ثم ينجر إلى المنافرة ، ( وإذا امتلأ قلب بالفرح بمعرفة اللّه لم يمنع ذلك أن يمتلى قلب غيره بها وأن يفرح به ، فالفرق بين العلم والمال أن المال لا يحل في يد ما لم يرتحل عن اليد الآخرى ، والعلم في قلب العالم مستقر ) لا يحول ولا يزول ، ( ويحل في قلب غيره بتعليمه من غير أن يرتحل عن قلبه ، وأن المال أجسام وأعيان ولها نهاية ) ينتهي إليها ، ( فلو ملك الإنسان جميع ما في الأرض لم يبق بعده مال يتملكه غيره والعلم لا نهاية له ولا يتصور استيعابه ) على وجه الإحاطة والكمال ، ( فمن عوّد نفسه الفكر في جلال اللّه وعظمته وملكوت أرضه وسمائه صار ذلك عنده ألذ من كل نعيم ) أخرجه أبو نعيم في الحلية عن مالك ابن دينار قال : خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها . قالوا : وما هي يا أبا يحيى ؟ قال : معرفة اللّه عز وجل ، ( ولم يكن ممنوعا عنه ولا مزاحما فيه فلا يكون في قلبه حسد