تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
يزاحمه العالم على هذا الغرض ، وكذلك يحسد العالم العالم ولا يحسد الشجاع ، ثم حسد الواعظ للواعظ أكثر من حسده للفقيه والطبيب ، لأن التزاحم بينهما على مقصود واحد أخص ، فأصل هذه المحاسدات العداوة ، وأصل العداوة التزاحم بينهما على غرض واحد ، والغرض الواحد لا يجمع متباعدين بل متناسبين ، فلذلك يكثر الحسد بينهما . نعم من اشتد حرصه على الجاه وأحب الصيت في جميع أطراف العالم بما هو فيه فإنه يحسد كل من هو في العالم وإن بعد ممن يساهمه في الخصلة التي يتفاخر بها ، ومنشأ جميع ذلك حب الدنيا ، فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين . أما الآخرة فلا ضيق فيها ، وإنما مثال الآخرة نعمة العلم فلا جرم من يحب معرفة اللّه تعالى ومعرفة صفاته وملائكته وأنبيائه وملكوت سماواته وأرضه لم يحسد غيره إذا عرف ذلك أيضا ، لأن المعرفة لا تضيق على العارفين ، بل المعلوم الواحد يعلمه ألف ألف عالم ويفرج بمعرفته ويلتذ به ولا تنقص لذة واحد بسبب غيره ، بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس وثمرة الإفادة والاستفادة ، فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة لأن مقصدهم معرفة اللّه تعالى وهي بحر واسع لا ضيق
شرح
يزاحمه العالم على هذا الغرض ، وكذلك يحسد العالم العالم ولا يحسد الشجاع ) لما ذكرنا لاختلاف المقاصد ، ( ثم حسد الواعظ ) على الكرسي ( على الواعظ أكثر من حسده الفقيه والطبيب لأن التزاحم بينهما ) أي بين الواعظين ( على مقصود واحد ) هو ( أخص فأصل هذه المحاسدات العداوة ) والبغضاء ، ( وأصل العداوة ) والبغضاء ( التزاحم على غرض واحد ، والغرض الواحد لا يجمع متباعدين بل متناسبين ، فلذلك يكثر الحسد بينهم ) أي بين المتناسبين ، ( نعم من اشتد حرصه على الجاه ) أي على حصوله عند عامة الناس ( وأحب الصيت ) أي رفع الذكر ( في جميع أطراف العالم بما هو فيه ، فإنه يحسد كل من هو في العالم وإن بعد عنه ممن يساهمه ) أي يشاركه ( في الخصلة التي يتفاخر بها ، ومنشأ جميع ذلك حب الدنيا ) وحبها رأس كل خطيئة كما ورد ، ( فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين . أما الآخرة فلا ضيق فيها ، وإنما مثال الآخرة نعمة العلم النافع ، فلا جرم من يحب معرفة اللّه ومعرفة صفاته وملائكته وأنبيائه وملكوت أرضه وسمائه فلا يحسد غيره ) وفي نسخة لم يحسد غيره ( إذا عرف ذلك أيضا لأن المعرفة لا تضيق على العارفين باختلاف طبقاتهم في المعرفة ، بل المعلوم الواحد يعلمه ألف ألف عالم ويفرح بمعرفته ويلتذ به ولا تنقص لذة واحد بسبب غيره ) لعدم التلازم ، ( بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس ) في المعرفة ( وثمرة الإفادة للغير والاستفادة من الغير ، فلذلك لا يكون بين علماء الدين ) الذين هم في صدر علوم الآخرة ( محاسدة ) أصلا ( لأن مقصدهم ) من اشتغالهم بالعلم تحصيل ( معرفة اللّه ) تعالى من طريق الصفات ، ( وهو بحر واسع لا ضيق فيه ) ولا تزاحم عليه ، وأما قولهم : المورد
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 512 | مرتضى الزبيدي