شرح
اللّه عليهم بعدم الحسد ) وهو عدم ضيق الصدور من رؤية النعمة . ( قال تعالى في معرض الإنكار ) على أهل الكتبأَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَأي بل يحسدون . وإنما قدرت « أم » هنا « ببل » لأن المراد هنا اثبات الحسد لهم لا الاستفهام عنه لا بالانكار ولا بغيره ، وإذا كان هذا المراد تعين أن يكون التقدير بل يحسدون ، ويشهد لذلك قوله تعالى :وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراًالآية . وقد سبق قريبا لا يقال الانكار يتضمن الاثبات وزيادة لأنا نقول : تلك الزيادة لا دليل عليها ، بل ولا يقتضيها المقام فظهر أن الأظهر في « أم » هنا أن معناها « بل » فقط . وفي قولهيَحْسُدُونَدلالة على أن المضارع حقيقة في الحال لأنه أطلق في يحسدون ، وأريد يد الحال لأنهم كانوا حاسدين وقت وقوع اللفظ عليهم ولم يرد أنهم يحسدون في المستقبل ، وإذا أطلق وأريد الحال كان حقيقة لأن الأصل في الاطلاق الحقيقة . وهذا عند التحقيق خلاف من يدعي صلاحية الحال والاستقبال كابن مالك لأنه يجعله موضوعا للقدر المشترك إلا أن يقال : التواطؤ يقع على افراده للحقيقة .
قال التاج السبكي في قواعده : وأنا أقول بالفصل في ذلك في المشكل وتساوي الأفراد . وفي الآية دلالة على أن مفهوم العموم من باب الكلية لا من باب الكل لأنه تعالى قد ذمهم على الحسد ، فإما أن يكون الحسد المذموم عليه الحسد من حيث هو ، أو الحسد من حيث العموم بمعنى أن كل واحد مذموم على الحسد القائم به من غير نظر إلى القائم بغيره ، ولا خامس لهذه الأقسام عقلا ولا سبيل إلى الأول لأن الحسد من حيث هو ليس من فعل المكلف لا يلام عليه ، ولا إلى الثاني لأن حسد غيره ليس من فعله فكيف يلام على فعل غيره ، ولا إلى الثالث أيضا لأنه كذلك ، فتعين الرابع وهو أن يكون الحكم ثابتا لكل فرد إثباتا وسلبا غير منظور فيه إلى غيره بنفي ولا اثبات ، وفي الآية أيضا دليل على جواز التكليف بما لا يطاق لأنه تعالى لامهم على الحسد وهو أمر يقوم بالحاسد لا يقدر على دفعه ، ونظيرها أقبل ولا تخف ، ولا يقال : إنما دام على تعاطي أسبابه للإجماع على أن الحسد في نفسه مذموم ، ولأن البخل والحسد سيّان في كونهما مما لا يطاق ، وقد ذمهم على البخل قبل ذلك في قوله :أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ[ النساء : 53 ] الآية . وكذلك في قولهالَّذِينَ يَبْخَلُونَ[ النساء : 37 ] والبخل والحسد مشتركان في أن صاحبهما يريد منع النعمة عن الغير ، ثم يتميز البخل بعدم دفع ذي النعمة شيئا ، والحسد تمني أن لا يعطى أحد سواه شيئا . وفي الآية أيضا دلالة على أن الحسد حرام ، ثم يختلف باختلاف المحسود ، فإن كان نبيا فهو أيضا كفر ، وإلّا فلا ينتهي إلى الكفر .
فان قلت : ما وجه دلالته على التحريم ؟ قلت : التوعد عليه في قوله تعالى :وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً[ النساء : 55 ] مع السياق المؤذن بذلك . وفي التوعد كفاية فإنه كالنص في التحريم .
فان قلت : فما وجه دلالته على مطلق الحسد والكلام على الحسد إنما هو في حسدهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم على ما سيذكر من أن المراد بالناس النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؟ قلت : قوله يحسدون الناس فإنه دال على أن العلة