فالمحمود وسط بين العنف واللين كما في سائر الأخلاق ، ولكن لما كانت الطباع إلى العنف والحدة أميل كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرفق أكثر ، فلذلك كثر ثناء الشرع على جانب الرفق دون العنف ، وإن كان العنف في محله حسنا كما أن الرفق في محله حسن ، فإذا كان الواجب هو العنف فقد وافق الحق الهوى وهو ألذ من الزبد بالشهد .
وهكذا ، قال عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه ، وروي أن عمرو بن العاص كتب إلى معاوية يعاتبه في التأني فكتب إليه معاوية . أما بعد ، فإن التفهم في الخير زيادة رشد ، وإن الرشيد من رشد عن العجلة وإن الخائب من خاب عن الإناة وإن المتثبت مصيب أو كاد أن يكون مصيبا وأن العجل مخطىء أو كاد أن يكون مخطئا ، وإن من ينفعه الرفق يضره الخرق ومن لا ينفعه التجارب لا يدرك المعالي . وعن أبي عون الأنصاري قال : ما تكلم الناس بكلمة صعبة إلا وإلى جانبها كلمة ألين منها تجري مجراها . وقال أبو حمزة الكوفي :
شرح
( فالمحمود ) من ذلك ( وسط بين العنف واللين كما في سائر الأخلاق ) على ما سبق ذكره في كتاب رياضة النفس ، ( ولكن لما كانت الطباع إلى العنف والحدة أميل كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرفق أكثر ، فلذلك كثر ثناء الشرع على جانب الرفق ) في أخبار تقدم ذكرها ( دون العنف ) بل ورد فيه ما يصرح بذمه وتقبيحه ( وإن كان العنف في محله ) حيث أمره الشرع ( حسنا كما أن الرفق في محله حسن ، فإذا كان الواجب هو العنف فقد وافق الحق الهوى وهو ألذ من الزبد ) إذا خلط ( بالشهد ) بالضم وهو العسل الأبيض ( هكذا قاله عمر بن عبد العزيز ) كما أخرجه ابن أي الدنيا في ذم الغضب . ( وروي أن عمرو بن العاص كتب إلى معاوية ) رضي اللّه عنهما ( يعاتبه في التأني ) ويحضه على اغتنام الفرصة في أمر كان قصده ، ( فكتب إليه معاوية ) في الجواب ( أما بعد : فإن التفهم في الخير زيادة ) علم و ( رشد ) من الضلالة ، ( وأن الرشيد من رشد عن العجلة ) أي استبصر فلم يعجل في أمره ، ( وأن الخائب من خاب عن الإناة ) بالكسر اسم من التأني ( وأن المتثبت ) في أمره ( مصيب ) أي واجد الصواب ( أو كاد أن يكون مصيبا وأن العجل في ) الأمور ( مخطىء ) عن طريق الصواب ( أو كاد أن يكون مخطئا وأن من لا ينفعه الرفق يضره الخرق ومن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعالي ) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب . ( وعن أبي عون الأنصاري ) الأعور الشامي ، اسمه عبد اللّه بن أبي عبد اللّه مقبول ، روى له النسائي ( قال : ما تكلم الناس بكلمة صعبة إلا وإلى جانبها كلمة ألين منها تجري مجراها ) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب . ( وقال أبو حمزة الكوفي ) اسمه سيار مقبول ، روى له البخاري في كتاب الأدب المفرد ، وأبو داود ، والترمذي وابن ماجة ، ووقع في الإسناد عن سيار أبي الحكم عن طارق بن شهاب ، والصواب عن سيار أبي حمزة فإنه هو الذي روى عن طارق بن شهاب ، وأما سيار أبو الحكم العنزي فإنه لم تثبت روايته عن طارق . نبه عليه الحافظ في مختصر التهذيب : ( لا تتخذ من الخدم