تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم اللّه ، فإذا انتهك من محارم اللّه شيء كان أشدهم في ذلك غضبا ، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما » ،
شرح
( وقالت عائشة رضي اللّه عنها : « ما رأيت ) أي ما علمت ( رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم منتصرا ) أي منتقما ( من مظلمة ) بفتح اللام والميم ما أخذ أو نيل من معصوم عدوانا سواء كانت في البدن أو العرض أو المال أو الاختصاص ( ظلمها ) المنصوب على الأول مفعول مطلق ، وعلى الثاني مفعول به . وظلم يتعدى لمفعولين كما في القاموس خلافا لمن زعم قصره على واحد فقد ظلم بها ( قط ) وإنما لم ينتقم صلّى اللّه عليه وسلم منها مع أن مرتكبها قدباء بإثم عظيم لأنه حق آدمي يسقط بعفوه بخلاف حقوق اللّه تعالى التي ذكرها بقوله : ( ما لم تنتهك محارم اللّه تعالى ) أي ترتكب والمحارم جمع محرم أي شيء حرمه اللّه على عباده . فإن قلت : مظلمته صلّى اللّه عليه وسلم إيذاء له وإيذاؤه كفر وهو حينئذ حق اللّه تعالى فكيف يسقط بعفوه ؟ قلت : لا نسلم أن مطلق إيذائه كفر . ألا ترى فيمن جذب رداءه حتى أثر في عنقه فعفا عنه وأعطاه حمل بعيريه ، والحاصل أن إيذاءه لا يصدر إلا من مسلم جاف وهذا له نوع عذر فلم يكفر وعفا عنه ، أو من منافق وقد أمر بتحمل أذاهم لئلا ينفر الناس عنه ، أو من كافر معاهد فمصحلة تألفه اقتضت عدم مؤاخذته بجريمته أو من حربي وهو غير ملتزم للأحكام . ( فإذا انتهك من محارم اللّه شيء كان أشدهم غضبا ) فينتقم لمن ارتكب ذلك لما علمت أنه لا يقبل العفو ، ومن المحارم التي ينتقم بها ولا يعفو عنها حق الآدمي إذا همّ في طلبه وفي الحث على العفو والحلم واحتمال الأذى والإنتصار لدين اللّه تعالى ، أنه ليس لكل ذي ولاية التخلق بهذا الخلق الكريم فلا ينتقم لنفسه ولا يهمل حق اللّه تعالى على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي لنفسه ولا لمن تقبل شهادته له كأبيه وابنه ، ولا ينافي هذا الحديث أمره صلّى اللّه عليه وسلم بقتل ابن خطل ونحوه ممن كان يؤذيه لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات اللّه تعالى ، أو ان عفوه إنما كان في غير ذنب يكفر به مرتكبه كمن رفع صوته عليه ، ومن جذبه بردائه حتى أثر في رقبته بخلاف أولئك فإنهم كفروا بإيذائه فلم يمكنه العفو عنهم ، ومن ثم اقتص صلّى اللّه عليه وسلم ممن نال من عرضه ، ( وما خير ) صلّى اللّه عليه وسلم ( بين أمرين إلا أختار أيسرهما ) إما بأن يخيره اللّه تعالى فيما فيه عقوبتان فيختار الأخف ، أو في قتال الكفار وأخذ الجزية فيختار أخذها ، أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة والإقتصاد فيختار الإقتصاد ، وإما بأن يخيره المنافقون أو الكفار ، فعلى هذا يتصور قوله : ( ما لم يكن مأثما ) أي إثما كما في رواية البخاري ، وفيها أيضا . فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وفي رواية الطبراني ما لم يكن للّه فيه سخط ، وعلى الأول يكون الاستثناء منقطعا إذ لا يتصور تخيير اللّه تعالى إلا بين جائزين رواه الترمذي في الشمائل واللفظ له رواه البخاري ومسلم والحاكم والطبراني بنحوه ، وعند الحاكم : « ما لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مسلما يذكر وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يضرب في سبيل اللّه ، ولا سئل شيئا قط فمنعه إلا أن يسئل مأثما ولا انتقم لنفسه من شيء إلا أن تنتهك حرمات اللّه تعالى فيكون للّه فينتقم » .