تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
جف لساني ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « كلا إنها ابنة أبي بكر » يعني أنك لا تقاومينها في الكلام قط وقولها : سببتها ، ليس المراد به الفحش بل هو الجواب عن كلامها بالحق ومقابلتها بالصدق . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « المستبان ما قالا فعلى البادىء منهما حتى يعتدي المظلوم » فأثبت للمظلوم انتصارا إلى أن يعتدي ، فهذا القدر هو الذي أباحه هؤلاء وهو رخصة في الإيذاء جزاء على إيذائه السابق . ولا تبعد الرخصة في هذا القدر ولكن الأفضل تركه فإنه يجره إلى ما وراءه ولا يمكنه الاقتصار على قدر الحق فيه ، والسكوت عن أصل الجواب لعله أيسر من الشروع في الجواب والوقوف على حدّ الشرع فيه ، ولكن من الناس من لا يقدر على ضبط نفسه في فورة الغضب ولكن يعود سريعا ، ومنهم من يكف نفسه في الابتداء ولكن يحقد على الدوام . والناس في الغضب أربعة : فبعضهم كالحلفاء سريع الوقود سريع الخمود ، وبعضهم كالغضاء بطيء الوقود بطيء الخمود ، وبعضهم بطيء
شرح
حتى جف لساني ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « كلا ) حرف ردع وزجر ( إنها بنت أبي بكر » يعني أنك لا تقاومينها في الكلام ) والمقاومة في الكلام المغالبة رواه مسلم في الصحيح ، ( وقولها ) رضي اللّه عنها : ( سببتها ليس المراد به الفحش ) في الكلام المنهي عنه ، ( بل هو الجواب عن كلامها بالحق ومقابلتها بالصدق ) بدليل أنه بحضرته صلّى اللّه عليه وسلم وبأذنه ( وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « المستبان على ما قالا حتى يعتدي المظلوم » ) رواه أحمد ومسلم من حديث أبي هريرة وتقدم للمصنف في آفات اللسان بلفظ : ما لم يبتدئ المظلوم . ( فأثبت للمظلوم انتصارا إلى أن يعتدي ) أي يتجاوز عن الحد الشرعي المأذون فيه ، ( فهذا القدر هو الذي أباحه هؤلاء ) الذين أجازوا المقابلة ( وهو رخصة في الإيذاء جزاء على إيذائه السابق ولا تبعد الرخصة في هذا القدر ، ولكن الأفضل تركه فإنه يجر إلى ما وراء ولا يمكن الاقتصار على مقدار الحق فيه ) فمن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه ، ( والسكوت عن أصل الجواب لعله أيسر من الشروع في الجواب والوقوف على حد الشرع فيه ) فتركه أروح للخاطر ، ( ولكن في الناس من لا يقدر على ضبط نفسه في فورة الغضب ) وحدته ( ولكن يعود سريعا ) إلى الرضا ، ( ومنهم من يكف نفسه في الابتداء ولكن يحقد في الدوام ) أي يمسك البغضاء في قلبه ، ( والناس في الغضب أربعة : فبعضهم كالحلفاء ) وزان الحمراء نبات معروف الواحدة حلفاة ( سريع الوقود ) لخفته ورخاوته ( سريع الخمود ) أي السكون فيصير كلا شيء ، ( وبعضهم كالغضى ) مقصور شجر من أشجار الجبال خشبه من أصلب الخشب ، ولهذا يكون في فحمه صلابة ( بطيء الوقود ) لصلابته فلا تؤثر النار فيه سريعا ( بطيء الخمود ) تبقى ناره مدة لا تنطفىء ، ولذلك قال الشاعر :فسقى الغضى والساكنية وإن هم * شبوه بين جوانحي وبأضلعي