يوجب الفسق ما جرت به العادة في المبالغة كقوله : طلبتك كذا وكذا مرة وقلت لك كذا مائة مرة فإنه لا يريد به تفهيم المرات بعددها بل تفهيم المبالغة فإن لم يكن طلبه إلا مرة واحدة كان كاذبا وإن كان طلبه مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة لا يأثم وإن لم تبلغ مائة وبينهما درجات بتعرض مطلق اللسان بالمبالغة فيها لخطر الكذب ، ومما يعتاد الكذب فيه ويتساهل به أن يقال : كل الطعام ، فيقول لا أشتهيه ذلك منهي عنه وهو حرام ، إن لم يكن فيه غرض صحيح قال مجاهد ، قالت أسماء بنت عميس : كنت صاحبة عائشة في الليلة التي هيأتها وأدخلتها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ومعي نسوة . قالت : فو اللّه ما وجدنا عنده قرى إلا قدحا من لبن فشرب ثم ناوله عائشة قالت : فاستحيت الجارية فقلت لا تردي
شرح
محض المزاح ) وقد تقدمت الإشارة إليه آنفا . ( ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق ) أي ومن جنس الكذب الملحق به ولا يوجب الفسق بسببه ( ما جرت العادة في المبالغة ) في العدد ( كقوله : قلت لك كذا مائة مرة وطلبتك مائة مرة ) وقد يزاد في المبالغة فيقال : خمسمائة مرة أو ألف مرة ( فإنه لا يراد به تفهيم المرات بعددها بل تفهيم المبالغة ) بان وقع منه ذلك الفعل مرات ، ( فإن لم يكن طلبه إلا مرة واحدة كان كاذبا ) في قوله وكذا في العشرة ، ( وإن كان طلبه مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة فلا يأثم وإن لم يبلغ مائة ) أو أكثر ، ( وبينهما درجات يتعرض مطلق اللسان بالمبالغة فيها لخطر الكذب ) أي خطر الوقوع فيه ، وكذا الاستعارة مرتبة من هذا القسم من الكذب في المبالغة ، ولكنها ليست بكذب فإن علماء البيان قد حققوا ذلك بالبرهان ، وقالوا : الاستعارة تفارق الكذب من وجهين . أحدهما : البناء على التأويل ، وثانيهما :
نصب الدليل من القرينة على إرادة خلاف الظاهر نحو : رأيت أسدا في الحمام ولكن عليك الاحتياط في مثل هذا الكلام .
( ومما يعتاد الكذب فيه ويتساهل به أن يقال كل الطعام فيقول : لا أشتهيه ، وذلك منهي عنه وهو حرام إن لم يكن فيه غرض صحيح ) وهو أن يكون شبعان ولا يرى إدخال الطعام على الطعام ، أو يكون الطعام فيه شبهة أو قذارة لا يشتهي لأجل ذلك أو غيره ، وقد أخرج ابن أبي الدنيا من طريق شقيق بن سلمة قال : قال لي أخي عبد الرحمن بن سلمة : ما كذبت منذ أسلمت إلا أن الرجل يدعوني إلى طعامه فأقول ما أشتهيه ، فعسى أن يكتب .
( قال مجاهد ) بن جبر المكي التابعي الثقة ( قالت أسماء بنت عميس ) بن معبد بن الحرث ابن كعب الخثعمية ، هاجرت مع جعفر إلى الحبشة ، تزوجها أبو بكر الصديق ، ثم علي بن أبي طالب ، وكانت فاضلة جليلة : ( كنت صاحبة عائشة رضي اللّه عنها في الليلة التي هيأتها وأدخلتها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ومعي نسوة قالت : فو اللّه ما وجدنا عنده قرى ) أي ضيافة ( إلا قدحا من لبن ) فشرب منه ، ( ثم ناول عائشة رضي اللّه عنها قالت ) أسماء : ( فاستحيت