تمازحه » . فإن قلت المماراة فيها إيذاء لأن فيها تكذيبا للأخ والصديق أو تجهيلا له ، وأما المزاح فمطايبة وفيه انبساط وطيب قلب فلم ينه عنه ؟ فاعلم أن المنهي عنه الإفراط فيه أو المداومة عليه . أما المداومة فلأنه اشتغال باللعب والهزل فيه واللعب مباح ولكن المواظبة عليه مذمومة . وأما الإفراط فيه فإنه يورث كثرة الضحك وكثرة الضحك تميت القلب وتورث الضغينة في بعض الأحوال وتسقط المهابة والوقار فما يخلو عن هذه الأمور فلا يذم ، كما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إني لأمزح ولا أقول إلا حقا » إلا أن مثله يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقا ، وأما غيره إذا فتح باب المزاح كان غرضه أن يضحك الناس كيفما كان ، وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الرجل ليتكلم بالكلمة
شرح
يستثنى منه ) وهو ما خلا عن الباطل . ( قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تمار أخاك ولا تمازحه » ) رواه الترمذي وابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس وقد تقدم . قال ابن أبي الدنيا : حدثنا القاسم بن أبي شيبة ، حدثنا المحاربي ، عن ليث ، عن عبد الملك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس فساقه .
( فإن قلت : المماراة فيها إيذاء لأن فيها تكذيبا للأخ ) المؤمن ( والصديق ) المرافق ( أو تجهيلا له ) وهي لا تخلو من هذين ، فوجه النهي عنها ظاهر . ( وأما المزاح فمطايبة ) في الكلام باللسان ( وفيه انبساط وطيب قلب ) أي سبب لهما ( فلم ينه عنه ) وليس فيه ما ينشأ عنه المكروه شرعا ؟ ( فأعلم أن المنهي عنه ) أحد شيئين : ( الإفراط فيه ) وفي نسخة منه بأن يتجاوز عن الحد ، ( أو المداومة عليه ) فيتخذه ديدنا له وصنعة . ( أما المداومة فلأنه اشتغال باللعب والهزل واللعب مباح ، ولكن المواظبة عليه مذمومة ) وفي نسخة : مذموم ( وأما الإفراط فيه ) أو منه ( فإنه يورث كثرة الضحك ) لأن الذي يفرط فيه إنما غرضه أن يضحك الناس ، ( وكثرة الضحك تميت القلب ) كما ورد في الخبر : « إياك وكثرة الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب » والمراد باماتته غشيان الظلمة عليه الناشئة من الغفلة عن ذكر اللّه تعالى ، ( وتورث الضغينة في بعض الأحوال ) كما قاله عمر بن عبد العزيز وسيأتي ( وتسقط المهابة ) والجلالة ( والوقار ) عن أعين الأبرار كما سيأتي من قول عمر رضي اللّه عنه ، ( فما يخلو من هذه الأمور فلا يذم ، كما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إني أمزح ولا أقول إلا حقا » ) تقدم في كتاب أخلاق النبوة . وقال ابن أبي الدنيا حدثنا سعيد بن سليمان ، عن أبي معشر ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول اللّه تمزح ؟ قال : « نعم ولا أقول إلا حقا » ( إلا أن مثله ) صلّى اللّه عليه وسلم ( يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقا ) لكمال مشاهدته لجلال الحق سبحانه ، ( وأما غيره إذا فتح باب المزاح ) على نفسه ( كان غرضه أن يضحك الناس كيفما كان ) وإضحاك الناس سبب لإمالة قلوبهم ولا يخفى ما فيه ، كيف ( وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الرجل ليتكلم بالكلمة ) الواحدة لأجل أن ( يضحك بها جلساءه ) ومعاشريه ( يهوي ) أي يسقط ( بها