النفاق » فيحتمل أن يراد بالبيان كشف ما لا يجوز كشفه ، ويحتمل أيضا المبالغة في الإيضاح حتى ينتهي إلى حد التكلف ، ويحتمل أيضا البيان في أمور الدين وفي صفات اللّه تعالى ، فإن القاء ذلك مجملا إلى أسماع العوام أولى من المبالغة في بيانه إذ قد يثور من غاية البيان فيه شكوك ووساوس ، فإذا أجملت بادرت القلوب إلى القبول ولم تضطرب ولكن ذكره مقرونا بالبذاء يشبه أن يكون المراد به المجاهرة بما يستحيي الإنسان من بيانه ، فإن الأولى في مثله الإغماض والتغافل دون الكشف والبيان . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا يحب الفاحش المتفحش الصياح في الأسواق » . وقال جابر بن سمرة : كنت جالسا عند النبي
شرح
ابن عطية ، عن أبي أمامة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فذكره . أما البذاء فهو المفاحشة في القول والفعل . ( و ) اختلف في تفسير البيان في هذا الخبر فقيل : ( يحتمل أن يراد بالبيان كشف ما لا يجوز كشفه ) من الأسرار الإلهية أي لغير أهله ، ( ويحتمل أيضا المبالغة في الإيضاح حتى ينتهي إلى حد التكلف ) المنهي عنه ، ( ويحتمل أيضا البيان في أمور الدين وفي صفات اللّه تعالى ، فإن إلقاء ذلك مجملا إلى إسماع العوام أولى من المبالغة في بيانه ) وكشفه ( إذ قد يثور ) أي يتحرك ( من غاية البيان ) ونهاية الكشف ( فيه شكوك ) وأوهام ( ووساوس ) وشبهات ، ( فإذا أجملت بادرت القلوب إلى قبوله ) وقنعت به ( ولم تضطرب ) ولم تطلب كشف ما وراء ذلك وإليه الإشارة بقول القائل :
ومن منح الجهال علما أضاعه .
( ولكن ذكره مقرونا بالبذاءة يشبه أن يكون المراد به المجاهرة بما يستحيي الإنسان من بيانه ، فإن الأولى في مثله الإغماض والتغافل دون الكشف والبيان ) . والذي يظهر أن المراد بالبيان هنا هو الاحتمال الثاني وهو التعمق في إظهار الفصاحة في النطق وتكلف البلاغة في أساليب الكلام ، لأنه يجر إلى أن يرى لنفسه فضلا على من تقدمه في المقال ومزية عليه في العلم أو الدرجة عند اللّه لفضل خص به عنهم فيحتقر من تقدمه ، وأصل البيان هو جمع الفصاحة في اللفظ والبلاغة في المعنى . وقال الزمخشري : هو إظهار المقصود بأبلغ لفظ وبهذا الذي ذكرت فسروا ما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة : إن اللّه كره لكم البيان كل البيان فتأمل .
( وقال صلّى اللّه عليه وسلم « إن اللّه لا يحب الفاحش المتفحش الصياح في الأسواق » ) أي كثير الصراخ في الشوارع والطرق ومجامع الناس كما يفعله السوقة والدلالون ونحوهم فيكره ذلك . وأما صياح نحو الدلال والمنادي ومنشد الضالة ومعرف اللقطة بقدر الحاجة فلا يكره . قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا من حديث جابر بسند ضعيف ، وله وللطبراني من حديث أسامة بن زيد « إن اللّه لا يحب الفاحش المتفحش » وإسناده جيد اه .
قلت : لفظ ابن أبي الدنيا في الصمت : حدثنا داود بن عمرو الضبي ، حدثنا مروان بن معاوية ،