تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
والعصيان ، ثم أنه ما من وجود أو معدوم خالق أو مخلوق متخيل أو معلوم مظنون أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي فإن كان ما يتناوله العلم يعرب عنه اللسان إما بحق أو باطل ولا شيء إلا والعلم متناول له . وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء فإن العين لا تصل إلى غير الألوان والصور ، والآذان لا تصل إلى غير الأصوات ، واليد لا تصل إلى غير الأجسام ، وكذا سائر الأعضاء واللسان رحب الميدان ليس له مرد ولا لمجاله منتهى وحد له في الخير مجال رحب وله في الشرذيل سحب ، فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخي العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار ، ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد
شرح
جناس . ( إذ لا يتبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان ) ، ولذا جعل الإقرار به شرطا في صحة الإيمان ، ففي الخبر : « شهادة أن لا إله إلا اللّه كلمة جعلها اللّه بيننا فمن قالها من قلبه فهو مؤمن ومن قالها بلسانه ولم يكن في قلبه كان له ما لنا وعليه ما علينا وحسابه على اللّه » . والشريعة واردة أن يطلق اسم الإيمان على من يظهر ذلك من نفسه من غير محض من قلبه ولا يتحاشى من إطلاق ذلك عليه ما لم يظهر منه ما ينافي الإيمان . وقد تقدم الكلام عليه في باب قواعد العقائد . ( وهما ) أي الكفر والإيمان ( غاية الطاعة والعصيان ) فيه لف ونشر غير مرتب ، ( ثم أنه ما من موجود ومعدوم خالق أو مخلوق متخيل أو معلوم مظنون أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي ، فإن كل ما يتناوله العلم يعرب عنه اللسان ) وفي بعض النسخ يعبر بدل يعرب ( إما بحق أو باطل ولا شيء إلا والعلم متناول له ) ولا يخرج إلى الوجود إلا بواسطة تعبير اللسان . ( وهذه خاصية ) خصة اللّه بها ( لا توجد في سائر الأعضاء ) التي ركب منها الإنسان ، ( فإن العين لا تصل إلى غير الألوان والصور ) ولها أحد عشر إدراكا : النور والظلمة واللون والجسم وسطحه وشكله ووضعه وأبعاده وحركاته وسكناته واعداده ، ( والأذن لا تصل إلى غير الأصوات ) ولها إدراكان الصوت الخفيف والصوت الثقيل ، ( واليد لا تصل إلى غير الأجسام ) ولها عشر إدراكات : الحرارة ، والبرودة ، والرطوبة ، واليبوسة ، واللين ، والخشونة ، والصلابة ، والرخاوة ، والثقل ، والخفة . ( وكذا سائر الأعضاء ) فإن لها ادراكات مخصوصة ( واللسان رحب الميدان ) اي واسعه ( وليس له مردود ولا لمجاله منتهى وحدّ ) لسعة متعلقاته ( له في الخير مجال رحب ) أي ميدان واسع ، ( وفي الشرذيل سحب ) أي مسحوب ، ( فمن أطلق عذبة اللسان ) محركة أي طرفه ( وأهمله مرخى العنان ) أي تركه سائبا كالدابة التي أرخى لها عنانها وتذهب وتروح أينما شاءت . ( سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا ) أي طرف ( جرف ) بضمتين وبضم فسكون للتخفيف اسم لما جرفته السيول وأكلته من الأرض ( هار ) أي هائر بمعنى ساقط ( إلى أن يضطره ) أي يلجئه ( إلى البوار ) أي الهلاك الأبدي ( ولا يكب الناس ) أي لا يسقطهم ( في النار على مناخرهم ) أي أفواهم ووجوههم ( إلا حصائد ألسنتهم ) أي ما حصدوه بمناجل ألسنتهم كما هو في حديث معاذ وسيأتي ذكره قريبا ( ولا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 128 | مرتضى الزبيدي