بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي أحسن خلق الإنسان وعدله وألهمه نور الإيمان فزينه به وجمله وعلمه البيان فقدمه به وفضله . وأفاض على قلبه خزائن العلوم فأكمله ، ثم أرسل عليه سترا من رحمته وأسبله ، ثم أمدّه بلسان يترجم به عما حواه القلب وعقله ، ويكشف عنه ستره الذي أرسله ، وأطلق بالحق مقولة ، وأفصح بالشكر عما أولاه وخوّله ، من علم حصله ونطق
شرح
بسم اللّه الرحمن الرحيم
( الحمد للّه الذي أحسن خلق الإنسان وعدله ) أي سوّاه في صورته الحاصلة له بأن ركبه من أعضاء مختلفة مثل اليد والرجل والعين واللسان والأنف والأذن فهو تعالى بخلق هذه الأعضاء محسن وبوضعها في مواضعها الخاصة عدل لأنه وضع العين في أوّل المواضع بها من البدن إذ لو خلقها على القفا أو على الرجل أو على اليد أو على قمة الرأس لم يخف ما يتطرق إليها من النقصان والتعرض للآفة ، وكذلك خلق اليدين وعلقهما من المنكبين ، ولو علقهما من الرأس أو من الركبتين لم يخف ما يتولد منه من الخلل ، وكذلك وضع جميع الحواس على الرأس فإنها جواسيس لتكون مشرفة على جميع البدن ، ولو وضعها على الرجل لاختل نظامها قطعا وشرح ذلك في كل عضو يطول ، ( وألهمه نور الإيمان ) بأن أوقع قبول ذلك في قلبه بما انشرح به صدره واطمأن ( فزينه به وجمله ) أي فظهر أثر ذلك النور الذي في القلب على جوارحه الظاهرة فكان زينة وجمالا ، ( وعلمه البيان ) وهو التعبير عما في الضمير وإفهام الغير لما أدركه كتلقي الوحي وتعرف الحق وتعلم الشرع ، ( فقدمه به ) على سائر خلقه ، ( وفضله ) حيث خلقه وخلق له ما يتميز به عن سائر الحيوان . فهذا وجه التقديم والتفضيل ، وقد عدّ اللّه ذلك نعمة فقال في كتابه العزيزالرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ[ الرحمن : 1 - 3 ] والجمل الثلاث أخبار مترادفة ، وإنما أخلاها عن العاطف لمجيئها على نهج التعديد ، ( وأفاض على قلبه خزائن العلوم ) أي العلوم المخزونة التي لا يطلع على أسرارها . ولما جعل القلب خزانة لما يرد من عالم الملكوت ناسب إفاضة تلك العلوم عليها ، ( فأكمله ) وكمال كل شيء بحسبه فكمال الإنسان أن يكون قلبه معمورا بمعرفة ربه مستغرقا في حبه لا يتطرق إليه خيال لسواه ، ( ثم أرسل عليه سترا من رحمته وأسبله ) . الإرسال والإسبال مترادفان فإن بمعنى الإرخاء وهو كناية عن عموم رحمته تعالى عليه ، ولولا ذلك ما كان التفضيل والإكمال ( ثم أمده بلسان يترجم ) أي يبين ويوضح ( عما حواه القلب ) أي اشتمله ( وعقله ) وفي بعض النسخ وتقبله وترجم كلام غيره إذا عبر عنه بلغة غير لغة المتكلم ، وإنما قال ذلك لأن الحاصل في القلب معان معقولة والذي يوضحه اللسان إنما هو تعبير بألفاظ تدل على تلك المعاني إما بالمطابقة أو بالتضمن ، ( ويكشف عنه ) أي عن القلب والجملة معطوفة على قوله يترجم ( ستره الذي أرسله ) أي أسدله عليه ، ( فأطلق بالحمد مقولة )