تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
سهله ، وأشهد إن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله الذي أكرمه وبجله ، ونبيه الذي أرسله بكتاب أنزله ، وأسمى فضله وبين سبله . صلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه ومن قبله ما كبر اللّه عبد وهلّله . ( أما بعد : ) فإن اللسان من نعم اللّه العظيمة ولطائف صنعه الغريبة فإنه صغير جرمه عظيم طاعته وجرمه إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان ، وهما غاية الطاعة
شرح
بالكسر اسم اللسان باعتبار أنه آلة للقول وإطلاقه تمكينه من النطق به ، وأراد بالحمد اللغوي وهو الوصف بفضيلة على فضيلة على جهة التعظيم وهو باللسان فقط ، ( وأفصح بالشكر عما أولاه وخوّله ) أي أعطاه فالشكر باللسان هو الثناء على المنعم في مقابلة النعمة ، ثم بين النعمة بقوله : ( من علم حصله ) باكتساب أو من طريق الفيض كما يلهم به بعض الأصفياء ( ونطق سهله ) وهو الأصوات المقطعة التي يظهرها اللسان وتعيها الآذان . ( وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، و ) أشهد ( أن محمدا عبده ورسوله ) قدم أحدهما على الثاني إلى أن العبودية أشرف من الرسالة ، ولذا كان عبد اللّه من أشرف أسمائه صلّى اللّه عليه وسلم وإليه أشار الشاعر :لا تدعني إلا بيا عبدها * فإنه أشرف أسمائيا( الذي أكرمه وبجله ) أي عظمه ووقره بأن اصطفاه من خلقه وجعله خاتم رسله وجعل طاعته من طاعته ومحبته من محبته ، ( ونبيه الذي أرسله ) إلى الناس كافة ( بكتاب أنزله ) من لدنه وهو القرآن ، ( وآي فصله ) جمع آية وهي العلامة أي أنزل الكتاب مفصلا فيه تفصيل كل شيء ، وبيان أخبار من مضى ، وعلم ما سيأتي وتذكير الضمير نظر الظاهر اللفظ ، ( ودين سبله ) المراد بالدين الطاعة للإسلام والانقياد له والتعبد به وتسبيله تسهيله للواردين عليه كأنه حبسه عليهم لينتفعوا به . ( صلّى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه ومن قبله ) أي من أمة الإجابة ( ما كبر للّه عبد وهلله ) فالتكبير قول العبد : اللّه أكبر كبيرا . والتهليل قوله لا إله إلا اللّه . ( أما بعد : فإن اللسان ) وهي الجارحة المعروفة ذو الصورة التي يميزها البصر ( من نعم اللّه العظيمة ولطائف صنعه الغريبة فإنه صغير جرمه ) بالكسر أي جسده . قال أهل التشريح : هو مركب من اللحم والعروق والشريانات والعصب الحساس والغشاء المتصل بغشاء المريء ، وقد امتزج بهذا الغشاء قسط صالح من العصب ومنفعة تقليب الطعام على الازدراء ، وذلك أن جوهره لحم أبيض رخو مجلل بالغشاء المذكور ، وقد التفت به عروق صغار كثيرة فيها دم هو سبب حمرة لونه وتحته عروق وشريانات وأعصاب كثيرة فوق ما يستحقه قدره من العظم ، وتحته فوهتان يخرج منهما اللعاب وبهما يبقى في اللسان وما حوله النداوة الطبيعية . واعلم أن لحم اللسان شعبتان كلسان الحية لكن لما جللا بغشاء واحد صارا كأنهما شعبة واحدة ومن قسط كل من الشعبتين من الغشاء درز ظاهر ( عظيم طاعته ) أي انقياده للحق ( وجرمه ) بالضم اكتساب الإثم وبين الجرم والجرم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 127 | مرتضى الزبيدي