فإن قلت : فهلا جاز الكسر لأجل الزجر ؟ وهلا جاز الجر بالرجل في الإخراج عن الأرض المغصوبة ليكون ذلك أبلغ في الزجر ؟ فاعلم أن الزجر إنما يكون عن المستقبل ، والعقوبة تكون على الماضي ، والدفع عن الحاضر الراهن . وليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع وهو إعدام المنكر ، فما زاد على قدر الإعدام فهو إما عقوبة على جريمة سابقة أو زجر عن لاحق . وذلك إلى الولاة لا إلى الرعية . نعم الوالي له أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة فيه وأقول : له أن يأمر بكسر الظروف التي فيها الخمور زجرا . وقد فعل ذلك في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تأكيدا للزجر ، ولم يثبت نسخه ولكن كانت الحاجة إلى الزجر والفطام شديدة . فإذا رأى الوالي باجتهاده مثل تلك الحاجة جاز له مثل ذلك . وإذا كان هذا منوطا بنوع اجتهاد دقيق لم يكن ذلك لآحاد الرعية .
فإن قلت : فليجز للسلطان زجر الناس عن المعاصي بإتلاف أموالهم وتخريب دورهم التي فيها يشربون ويعصون وإحراق أموالهم التي بها يتوصلون إلى المعاصي ؟ فاعلم أن ذلك لو ورد الشرع به لم يكن خارجا عن سنن المصالح ولكنا لا نبتدع المصالح بل نتبع
شرح
( فإن قلت : فهلا جاز الكسر لأجل الزجر ؟ وهلا جاز الجر بالرجل في الإخراج عن الأرض المغصوبة ليكون ذلك أبلغ في الزجر ؟ فاعلم أن الزجر إنما يكون عن المستقبل ) لئلا يقع في المعصية ثانيا والعقوبة تكون عن المعاصي والدفع عن الحاضر الراهن في الحال ، ( وليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع وهو إعدام المنكر فما زاد على قدر الإعدام فهو إما عقوبة على جريمة سابقة أو زجر عن ) جرم ( لاحق وذلك ) موكول ( إلى الولاة ) للأمور ( لا إلى الرعية ) كما سبق . ( نعم الوالي له أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة فيه ) وتكون المصلحة دينية ، ( فأقول له أن يأمر بكسر الظروف التي فيها الخمور زجرا ) وتأديبا ، ( وقد فعل ذلك في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تأكيدا للزجر ) قال العراقي : رواه الترمذي من حديث أبي طلحة أنه قال : يا نبي اللّه اشتريت خمر الأيتام في حجري قال : « اهرق الخمر واكسر الدنان » وفيه ليث ابن أبي سليم والأصح رواية المروي عن السدي عن يحيى بن عباد عن أنس أن أبا طلحة كان عنده قاله الترمذي . ( ولم يثبت نسخه ، ولكن كانت الحاجة إلى الزجر والفطام شديدة ) لقرب عهدهم بتحريم الخمر ، ( فإذا رأى الوالي باجتهاده مثل تلك الحالة جاز له مثل ذلك ، وإن كان هذا منوطا بنوع اجتهاد دقيق لم يكن ذلك لآحاد الرعية ) لقصورهم من ذلك .
( فإن قلت : فليجز للسلطان زجر الناس عن المعاصي بإتلاف أموالهم وتخريب دورهم التي بها يشربون ) المسكرات ( ويعصون ) اللّه تعالى ، ( وإحراق أموالهم التي بها يتوصلون إلى ) تلك ( المعاصي : فاعلم أن ذلك لو ورد الشرع به لم يكن خارجا عن سنن المصالح ) الشرعية ، ( ولكنا لا نبتدع المصالح ) ابتداعا ( بل نتبع فيها ) اتباعا ، ( وكسر ظروف الخمر