تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل ، فإن كان الباعث هذا فهذا المنكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه . ومثال هذا المحتسب مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه وهو غاية الجهل . وهذه مزلة عظيمة وغائلة هائلة وغرور للشيطان يتدلى بحبله كل إنسان إلا من عرفه اللّه عيوب نفسه وفتح بصيرته بنور هدايته ، فإن في الاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة من وجهين . أحدهما : من جهة دالة العلم ، والآخر من جهة دالة الاحتكام والسلطنة ، وذلك يرجع إلى الرياء وطلب الجاه وهو الشهوة الخفية الداعية إلى الشرك الخفي وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن المحتسب به نفسه ، وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه ، فإن كانت الحسبة شاقة عليه ثقيلة على نفسه وهو يود أن يكفي بغيره فليحتسب ، فإن باعثه هو الدين ، وإن كان اتعاظ ذلك العاصي بوعظه وانزجاره بزجره أحب إليه من اتعاظه بوعظ غيره ، فما هو إلا متبع هوى نفسه ومتوسل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة حسبته فليتق اللّه تعالى فيه وليحتسب أولا على نفسه . وعند هذا يقال له ما قيل لعيسى عليه السلام : يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني . وقيل لداود
شرح
صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل ، فإن كان الباعث هذا فهذا المنكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه ، ومثال هذا المحتسب مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه وهو غاية الجهل ) ونهاية الحماقة . ( وهذه مزلة عظيمة وغائلة هائلة ) أي مخوفة ( وغرور الشيطان يتدلى بحبله كل إنسان إلا من عرفه اللّه عيوب نفسه ) المستكنة فيها ، ( وفتح بصيرته بنور هدايته ) فاستبصر ولم يتبع سبيل الغرور ، ( فإن في الاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة من وجهين . أحدهما من جهة دالة العلم ) فإن النفس تبتهج بلذة العلم وتفرح به ، ( والآخر من جهة دالة الاحتكام والسلطنة ، وذلك يرجع إلى الرياء وطلب الجاه وهو الشهوة الخفية المتداعية إلى الشرك الخفي ) الذي هو أخفى من دبيب النمل ، ( وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن المحتسب به نفسه ) ليدرك وزنها ( وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه ) بإعانة اللّه وتوفيقه ، ( أو باحتساب غيره ) من إخوانه ( أحب إليه من امتناعه باحتسابه ) فليمتحن نفسه بذلك ، ( فإن كانت الحسبة شاقة ثقيلة على نفسه وهو يود أن يكفي بغيره فليحتسب فإن باعثه هو الدين ) والأجر على قدر المشقة ، ( فإن كان اتعاظ ذلك العاصي بوعظه وانزجاره بزجره أحب إليه من اتعاظه بوعظ غيره فما هو إلا متبع هوى نفسه ) ومتدل بحبل غرور للشيطان ، ( فيتوسل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة حسبته فليتق اللّه ) وليراقبه ، فإنه ناقد بصير مطلع على السرائر ، ( وليحتسب أوّلا على نفسه ) ثم على غيره ، ( وعند هذا يقال له ما قيل لعيسى عليه السلام : يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 89 | مرتضى الزبيدي