يجري الاحتساب إلا في معلوم على القطع . وقد ذهب إليه ذاهبون وقالوا : لا حسبة إلا في مثل الخمر والخنزير وما يقطع بكونه حراما ، ولكن الأشبه عندنا أن الاجتهاد يؤثر في حق المجتهدين ، إذ يبعد غاية البعد أن يجتهد في القبلة ويعترف بظهور القبلة عنده في جهة بالدلالات الظنية ثم يستدبرها ولا يمنع منه لأجل ظن غيره أن الاستدبار هو الصواب . ورأي من يرى أنه يجوز لكل مقلد أن يختار من المذاهب ما أراد غير معتد به ولعله لا يصح ذهاب ذاهب إليه أصلا ، فهذا مذهب لا يثبت وإن ثبت فلا يعتد به .
فإن قلت : إذا كان لا يعترض على الحنفي في النكاح بلا ولي لأنه يرى أنه حق ، فينبغي أن لا يعترض على المعتزلي في قوله : ان اللّه لا يرى وقوله : إن الخير من اللّه والشر ليس من اللّه ؟ وقوله : كلام اللّه مخلوق ؟ ولا على الحشوي في قوله : إن اللّه تعالى جسم وله صورة وأنه مستقر على العرش ، بل لا ينبغي أن يعترض على الفلسفي في قوله :
الأجساد لا تبعث وإنما تبعث النفوس ، لأن هؤلاء أيضا أدى اجتهادهم إلى ما قالوه وهم يظنون أن ذلك هو الحق .
شرح
( أنه لا يجري الاحتساب إلا في معلوم على القطع وقد ذهب إليه ذاهبون ) من العلماء ( وقالوا : لا حسبة إلا في مثل الخمر والحرير ) لإتفاقهم على حرمة كل منهما ( وما يقطع بكونه حراما ) ولم يختلف فيه فهذا مذهب جماعة من العلماء ، ( ولكن الأشبه عندنا ) معاشر الشافعية ( أن الاجتهاد يؤثر في حق المجتهد إذ يبعد غاية البعد أن يجتهد في القبلة ويعترف بظهور القبلة عنده في جهة ) معلومة معينة ( بالدلالات الظنية ، ثم يستدبرها ولا يمنع عنه لأجل ظن غيره أن الاستدبار هو الصواب ) ، وأما ( رأي من يرى أنه يجوز لكل مقلد أن يختار من المذاهب ما أراد ) بهوى نفسه ، فإنه ( غير معتد به ولعله لا يصح ذهاب ذاهب إليه أصلا ، فهذا مذهب لا يثبت ) عند أهل المعرفة ( وإن ثبت فلا يعتد به ) عند أهل العلم .
( فإن قلت : إذا كان لا يعترض على الحنفي في النكاح بغير ولي لأنه يرى أنه حق فينبغي أن لا يعترض على المعتزلي في قوله : إن اللّه لا يرى ، وقوله : إن الخير من اللّه والشر ليس من اللّه ، وقوله : في كلام اللّه مخلوق ) وغير ذلك من الأقوال التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة ، ( وعلى الحشوي في قوله أن اللّه جسم وله صورة وأنه مستقر على العرش ، بل لا ينبغي أن يعترض على الفلسفي في قوله : الأجساد لا تبعث ، وإنما تبعث النفوس لأن هؤلاء أيضا أدى اجتهادهم إلى ما قالوه وهم يظنون أن ذلك هو الحق ) ومن يخالفهم على الباطل واستدلوا على ذلك بآيات وأخبار ما عدا الفلسفي فإنما استدلالهم بالعقل فقط .