والمحيون لهم ، ففي كثرتهم استرواح وتناصر ، فينبغي أن يعظم الفرح بذلك وهذا عزيز الوجود جدا فينبغي أن يكون المريد على حذر منه فإنه أعظم حبائل الشيطان في قطع الطريق على من انفتحت له أوائل الطريق ؛ فإن ايثار الحياة الدنيا طبع غالب على الانسان ، ولذلك قال اللّه تعالى :
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا
[ الأعلى : 16 ] ثم بين ان الشر قديم في الطباع ، وأن ذلك مذكور في الكتب السالفة فقال :
إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى
[ الأعلى : 18 ، 19 ] فهذا منهاج رياضة المريد وتربيته في
شرح
ولا يخطر ذلك بباله ( والغافلون ) عن طريق الحق ( موتى ) أي بمنزلة الأموات وإن كانوا أحياء في الظاهر ، ( والوعاظ هم المنبهون ) لهم عن رقدة الغفلة ( والمحيون لهم ) من موتة القلوب ، ( ففي كثرتهم استرواح وتناصر ) وتعاون ، ( فينبغي أن يعظم الفرح بذلك ) ويكثر السرور به . ( وهذا عزيز الوجود جدا ) لاستحواذ الشيطان على قلوب أكثر الخلق ، ( فينبغي أن يكون المريد على حذر منه فإنه أعظم حبائل الشيطان ) وأكبر مصائده وفخوخه ( في قطع الطريق على من انفتح له أوائل الطريق ) . قال القشيري : أضر الأشياء بالمريد استئناسه بما يلقى إليه في سره من تقريبات الحق سبحانه ومنته عليه بأن خصصتك بهذا وأفردتك عن أشكالك فإنه لو قال بترك هذا فعن قريب يستخطف عن ذلك بما يبدو له من مكاشفات الحقيقة اه .
( فإن إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان ) قد جبل عليه ، ( ولذلك قال تعالىبَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ) أي يختارونها على الآخرة فلا يفعلون ما يسعدهم في الآخرة ولو علموا علما يقينا فناءها وبقاء الآخرة لما آثروها ، ( ثم بيّن أن الشر قديم في الطباع وأن ذلك مذكور في الكتب السالفة ) أي الماضية ( فقال :إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى) بدل من الصحف الأولى .
قال السدي : إن هذه السورة نزلت في صحف إبراهيم وموسى مثل ما نزلت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخرجه ابن أبي حاتم . وقال أبو العالية : قصة هذه السورة في الصحف الأولى اخرجه ابن جرير .
وقال الحسن أي في كتب اللّه كلها أخرجه ابن أبي حاتم ، وفي حديث أبي ذر من تخريج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر قلت : يا رسول اللّه هل أنزل اللّه عليك بشيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى ؟ قال : « يا أبا ذر نعمقَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى» وفي هذا الحديث إن اللّه تعالى أنزل على إبراهيم عشر صحائف وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف ، وقد آثر المصنف ختم هذا الكتاب بما ختم اللّه به هذه السورة لما فيها من تزكية النفس من الأدناس ، وذكر اللّه تعالى والصلاة والتنبيه على إيثار الآخرة وترك شهوات الدنيا ولذاتها ، وأن الآخرة هي دار البقاء وفي كل ذلك تهذيب للنفوس وهو معظم مقصود الكتاب ، ولذلك قال : ( فهذا منهاج رياضة المريد وترتيبه في التدريج إلى