أو يشغله بخدمة المتجردين للفكر لتشمله بركتهم ، فإن العاجز عن الجهاد في صف القتال ينبغي أن يسقي القوم ويتعهد دوابهم ليحشر يوم القيامة في زمرتهم وتعمه بركتهم ، وإن كان لا يبلغ درجتهم ثم المريد المتجرد للذكر والفكر قد يقطعه قواطع كثيرة من العجب والرياء والفرح بما ينكشف له من الأحوال ، وما يبدو من أوائل الكرامات . ومهما التفت إلى شيء من ذلك وشغلت به نفسه كان ذلك فتورا في طريقه ووقوفا . بل ينبغي أن يلازم حاله جملة عمره ملازمة العطشان الذي لا ترويه البحار ، ولو أفيضت عليه ويدوم على ذلك ورأس ماله الانقطاع عن الخلق إلى الحق والخلوة .
قال بعض السياحين : قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق : كيف الطريق إلى التحقيق ؟ فقال : أن تكون في الدنيا كأنك عابر طريق . وقال مرة : قلت له دلني على عمل أجد قلبي فيه مع اللّه تعالى على الدوام . فقال لي : لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة . قلت : لا بدّ لي من ذلك . قال : فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة . قلت : لا
شرح
المتجردين للفكر ) والذكر من كنس خلاويهم وملء أباريقهم ( لتشمله بركتهم ) ويعمه إمدادهم ( فإن العاجز عن المجاهدة في صف القتال ينبغي أن يسقي القوم ) ويعينهم في أمورهم ( ويتعهد دوابهم ) بالربط والسقي والتعليق ويداوي جرحاهم ( ليحشر يوم القيامة في زمرتهم وتعمه بركتهم ، وإن كان لا يبلغ درجتهم ) والأعمال بالنيات ، ( ثم المريد المتجرد للذكر والفكر قد تقطعه قواطع كثيرة ) وتصيبه بلايا ( من العجب والرياء والفرح بما ينكشف ) له ( من الأحوال ) السنية ( وما يبدو من أوائل الكرامات ) وهي ما يكرمه اللّه تعالى به ، ( ومهما التفت إلى شيء من ذلك وشغل به نفسه كان ذلك فتورا في طريقه ) وهو الإعراض عن الإرادة والسلوك والترك لما هو فيه ( أو وقوفا ) وهو السكون عن السير باستلذاذ حالة الكسل ، والثاني أشد من الأوّل لأن من استلذ حالة لم ينتقل عنها لمحبته لها بخلاف صاحب الوقوف فإنه يرجى له الرجوع إلى ما كان عليه ، فإذا حصل للمريد الوقوف في أوائله لا يجيء منه شيء لأنه يفتقد كمال نفسه واستحسان حاله فيبعد منه الانتقال إلى ما هو أعلى ، ( بل ينبغي أن يلازم حاله جملة عمره ملازمة العطشان الذي لا ترويه البحار ولو أفيض عليه ويداوم عليه ) مداومة العاشق المستهتر الذي لا يسمع دون محبوبه عذل المفند فيه ( ورأس ماله الانقطاع عن الخلق والخلوة ) عنهم حتى تجتمع له حواسه .
( قال بعض ) هذه الطائفة من ( السائحين ) في الأرض . ( قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق : كيف الطريق إلى التحقيق ) والوصول إلى الحق ؟ قال : لا تنظر إلى الخلق . ( وقال :
مرة قلت له دلني على عمل أعمله أجد فيه قلبي مع اللّه تعالى في كل وقت على الدوام ) أي من غير أن يرد عليه ما يمنعه عنه ، ( فقال لي : لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة ) أي يورث ظلمة في القلب فيكون سبب الحجاب بينك وبين اللّه تعالى . ( قلت : لا بدّ لي من ذلك )