تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 708

مساهمون:

ص٧٠٨
بدّ لي من ذلك . قال : فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة . قلت : أنا بين أظهرهم لا بدّ لي من معاملتهم . قال : فلا تسكن إليهم ، فإن السكون إليهم هلكة . قال : قلت هذه العلة قال : يا هذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتريد أن تجد قلبك مع اللّه تعالى على الدوام ؟ هذا ما لا يكون أبدا . فإذا منتهى الرياضة أن يجد قلبه مع اللّه تعالى على الدوام ، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخلو عن غيره ولا يخلو عن غيره إلا بطول المجاهدة ، فإذا حصل قلبه مع اللّه تعالى انكشف له جلال الحضرة الربوبية وتجلى له الحق وظهر له من لطائف اللّه تعالى ما لا يجوز أن يوصف بل لا يحيط به الوصف أصلا ، وإذا انكشف للمريد شيء من ذلك فأعظم
شرح
أي من النظر إليهم . ( قال ) : فإذا نظرت إليهم ( فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة ) أي يورث القسوة والغلظة في القلب فهو أيضا حجاب ، ( قلت : لا بدّ لي من ذلك ) أي من سماع كلامهم ولا أستغني عن ذلك . ( قال ) : فإذا سمعت كلامهم ( فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة ) أي يورث الوحشة والتنافر في القلوب وهو أيضا حجاب . ( قلت : أنا بين أظهرهم لا بدّ لي من معاملتهم ) فكيف أفعل ؟ ( قال : فلا تسكن إليهم ) بقلبك ، ( فإن السكون إليهم ) بالقلب ( هلكة ) أي هلاك أبدي . ( قال : قلت هذه هي العلة ) كذا في النسخ والذي في القوت قلت هذه العلة ( قال : يا هذا تنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين ، وتريد أن تجد قلبك مع اللّه عز وجل على الدوام هذا ما لا يكون أبدا ) أورده صاحب القوت . ( فإذا منتهى الرياضة أن يجد قلبه مع اللّه أبدا ) بحيث لا يتخلل في هذا الوجدان شيء يخالفه ، ( ولا يمكن ذلك إلا بأن يخلو من غيره ) فلا يكون لخطوره فيه مساغ ( ولا يخلو عن غيره إلا بطول المجاهدة ) ولا تتم المجاهدة إلا بمخالفة النفس ، فحينئذ تحصل له مبادئ الهداية المفهومة من قوله تعالى :وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[ العنكبوت : 69 ] فإذا تمت له الهداية ارتقى إلى مقام الإحسان الذي فسر في الحديث « أن تعبد ربك كأنك تراه » وإليه الإشارة بقوله :وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[ العنكبوت : 69 ] أي بمعية الشهود والانكشاف ، ( فإذا حصل قلبه مع اللّه ) عند دخوله في حظيرة الإحسان ( انكشف له جلال الحضرة الربوبية ) الجامعة للحضرات الأربعة ( وتجلّى له الحق ) من وراء حجاب من الحجب الاسمائية ، ( وظهر من لطائف رحمة اللّه تعالى ما لا يجوز أن يوصف بل لا يحيط به الوصف أصلا ) وأراد بذلك التجلي الصفاتي الذي مبدؤه صفة من الصفات من حيث تعينها وامتيازها عن الذات ، ودلّ على ذلك قوله وظهر الخ وذلك لأن التجلي الذي مبدؤه الذات من غير اعتبار صفة من الصفات معها لا يتحصل إلا بواسطة الأسماء والصفات إذ لا يتجلى الحق من حيث ذاته على الموجودات إلا من وراء حجاب من الحجب الاسمائية ، وأصل التجلي ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب ، وإنما جمع