تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 699

مساهمون:

ص٦٩٩
وأما الصمت ؛ فإنه تسهله العزلة ولكن المعتزل لا يخلو عن مشاهدة من يقوم له بطعامه وشرابه وتدبير أمره ، فينبغي أن لا يتكلم إلا بقدر الضرورة ، فإن الكلام يشغل القلب وشره القلوب إلى الكلام عظيم ، فإنه يستروح إليه ويستثقل التجرد للذكر والفكر فيستريح إليه ، فالصمت يلقح العقل ويجلب الورع ويعلم التقوى . وأما الخلوة : ففائدتها دفع الشواغل وضبط السمع والبصر فإنهما دهليز القلب ، والقلب في حكم حوض تنصب إليه مياه كريهة كدرة قذرة من أنهار الحواس ، ومقصود الرياضة تفريغ الحوض من تلك المياه ومن الطين الحاصل منها لينفجر أصل الحوض فيخرج منه الماء النظيف الطاهر ، وكيف يصح له أن ينزح الماء من الحوض والأنهار مفتوحة إليه فيتجدد في كل حال أكثر مما ينقص ، فلا بد من ضبط الحواس إلا عن قدر الضرورة وليس يتم ذلك إلا بالخلوة في بيت مظلم ، وإن لم يكن له مكان مظلم فليلف رأسه في جيبه أو يتدثر بكساء أو ازار ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد
شرح
( وإما الصمت ) وهو قلة الكلام ، ( فإنه يسهل العزلة ) عن الناس فإنه إذا لم يجد عنده أحدا لا يتكلم ، ( ولكن المعتزل لا يخلو عن مشاهدة من يقوم له بطعام وشراب أو تدبير أمر ) من أموره ، ( فينبغي أن لا يتكلم إلا بقدر الضرورة ) وهذا معنى قولهم كلام الأبدال عن ضرورة ، ( فإن الكلام يشغل القلب ) عن مراقبة المذكور ( وشره القلب إلى الكلام عظيم ، فإنه يستروح إليه ) ويستحيله ، ( ويستثقل التجرد للذكر والفكر ) لما فيه من المشقة ( ويستريح إليه ) أي إلى الكلام ، ( فالصمت يلقح العقل ويجلب الورع ويعلم التقوى ) كما سيأتي بيان ذلك . ( وأما الخلوة ، ففائدتها دفع الشواغل وضبط السمع والبصر ) عن تطرق شيء إليهما ، ( فإنهما دهليز القلب في حكم حوض انصبت إليه مياه كدرة ) متغيرة ( قذرة من أنهار الحواس ) الظاهرة ( ومقصود الرياضة تفريغ الحوض من تلك المياه ) والإخلاء منها ( ومن الطين الحاصل منها لينحفر أسفل الحوض فينفجر منه الماء اللطيف الطاهر ) لا كدر ولا قذر ولا يحصل الانفجار إلا بنزح تلك المياه عنه ، ( فكيف يصح أن ينزح الماء من الحوض والأنهار مفتحة إليه فيتجدد في كل حالة أكثر مما ينقص فلا بد من ضبط الحواس ) من تطرق شيء منها إلى القلب ( إلا عن قدر الضرورة وليس ) يتم ( ذلك إلا بالخلوة في مكان مظلم ) لأنه يحفظ حاسة البصر من تبددها ، ( فإن لم يكن مظلم فيلف رأسه في جيبه أو يتدثر بكساء أو إزار ) بأن يلقيه على رأسه فيتقنع به وهذه هي الخلوة الصغرى وهي مانعة عن تبدد حاسة البصر إلى المرئيات ولو لم يكن في خلوة ( ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد