تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 698

مساهمون:

ص٦٩٨
عن الناس . ففائدة الجوع في تنوير القلب أمر ظاهر يشهد له التجربة . وسيأتي بيان وجه التدريج فيه في كتاب كسر الشهوتين . وأما السهر ؛ فإنه يجلو القلب ويصفيه وينوّره فيضاف ذلك إلى الصفاء الذي حصل من الجوع فيصير القلب كالكوكب الدري والمرآة المجلوة فيلوح فيه جمال الحق ويشاهد فيه رفيع الدرجات في الآخرة وحقارة الدنيا وآفاتها ، فتتم بذلك رغبته في الدنيا وإقباله على الآخرة . والسهر أيضا نتيجة الجوع فإن السهر مع الشبع غير ممكن والنوم يقسي القلب ويميته إلا إذا كان بقدر الضرورة فيكون سبب المكاشفة لأسرار الغيب . فقد قيل في صفة الأبدال : إن أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة . وقال إبراهيم الخوّاص رحمه اللّه : أجمع رأي سبعين صديقا على أن كثرة النوم من كثرة شرب الماء .
شرح
عن الناس ) نقله القشيري في الرسالة . ( ففائدة الجوع في تنوير القلب أمر ظاهر تشهد له التجربة ، وسيأتي بيان وجه التدريج فيه في كتاب كسر الشهوتين ) وهو الكتاب الذي يليه . ( وأما السهر فإنه يجلو القلب ويصفيه ) عن الكدورات ( وينوره فينضاف ذلك إلى الصفاء الذي حصل من الجوع ويصير القلب ) بمضاعفة الصفاء فيه ( كالكوكب الدري ) المضيء المتلألىء ( والمرآة المجلوة ) يبيض بعضه بنور الإسلام وبعضه بنور الإيمان وكله بنور الإحسان والإيقان ، فإذا ابيضّ القلب انعكس نوره على النفس ، ( فيلوح فيه جمال الحق ) أي أشعة أنواره بأن تنجلي فيه ، ( ويشاهد فيه رفيع الدرجات في الآخرة وحقارة الدنيا وآفاتها ، فتتم بذلك رغبته عن الدنيا ) واعراضه عنها ( وإقباله على الآخرة ) وللقلب وجه إلى النفس ووجه إلى الروح ، وللنفس وجه إلى القلب ووجه إلى الطبع والغريزة ، والقلب إذا لم يبيض كله لم يتوجه إلى الروح بكله ، ويكون ذا وجهين وجه إلى الروح ووجه إلى النفس ، فإذا ابيض توجه إلى الروح بكله فيتدارك مدد الروح ويزداد إشراقا وتنورا ، وكلما انجذب القلب إلى الروح انجذبت النفس إلى القلب ، وكلما انجذبت توجهت بوجهها الذي يليه وتنور النفس لتوجهها إلى القلب بوجهها الذي يلي القلب ، ( والسهر أيضا نتيجة الجوع ) وثمرته ( فإن السهر مع الشبع غير ممكن ) لأن الشبع يرخي العروق والأعصاب ويجر إلى النوم ، ( والنوم يقسي القلب ويميته إلا إذا كان بقدر الضرورة ) فإنه لا بد منه وهو سبعون درجة بين الليل والنهار ، ( فيكون سبب المكاشفة لأسرار الغيب ، فقد قيل في صفة الأبدال أن أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة ) نقله صاحب القوت وصاحب الرسالة وصاحب العوارف ، ( وقال أبو إسحاق إبراهيم ابن أحمد الخواص ) من أقران الجنيد مات بالري سنة 291 رحمه اللّه تعالى : ( اجتمع رأي سبعين صديقا على أن كثرة النوم من كثرة شرب الماء ) نقله القشيري وصاحب القوت ، وذلك إن الإكثار من الماء يرخي العروق لامتلائها به فيكون سببا للفتور في الأعضاء والكسل فيغلب النوم .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 698 | مرتضى الزبيدي