أصلا ، وأما المعصية فهي حجاب ولا يرفعها إلا التوبة والخروج من المظالم وتصميم العزم على ترك العود وتحقيق الندم على ما مضى ورد المظالم وارضاء الخصوم ، فإن لم يصحح التوبة ولم يهجر المعاصي الظاهرة وأراد أن يقف على أسرار الدين بالمكاشفة كان كمن يريد أن يقف على أسرار القرآن وتفسيره وهو بعد لم يتعلم لغة العرب ، فإن ترجمة عربية القرآن لا بد من تقديمها أوّلا ثم الترقي منها إلى أسرار معانيه ، فكذلك لا بد من
شرح
ليلي بوجهك مشرق * وظلامه في الناس سار
والناس في سدف الظلا * م ونحن في ضوء النهار( وأما المعصية فهي حجاب ولا يرفعها إلا التوبة ) النصوح ( والخروج من المظالم ) التي عليه ( وتصميم العزم على ترك العود ) إلى تلك المظالم ، ( وتحقيق الندم على ما مضى ورد المظالم ) لأهلها ( وإرضاء الخصوم ) بأي وجه كان ، وهذه هي أركان التوبة كما سيأتي بيانها .
قال القشيري في الرسالة : إذا أنكر المريد بقلبه من سوء ما يصنعه وأبصر ما هو عليه من قبيح الأفعال سنح في قلبه إرادة التوبة والإقلاع عن قبيح المعاملة فيمده الحق سبحانه بتصحيح العزيمة والأخذ في جملة الرجعي والتأهب لأسباب التوبة ، فأول ذلك هجران إخوان السوء فإنهم هم الذين يحملونه على رد هذا القصد ، ويشوشون عليه صحة هذا العزم ، ولا يتم ذلك إلا بالمواظبة على المشاهد التي تزيد رغبته في التوبة ، وتوفر دواعيه على إتمام ما عزم عليه مما يقوي خوفه ورجاءه فعند ذلك تنحل عن قلبه عقدة الإصرار على ما هو عليه من قبيح الأفعال ، فيقف عن تعاطي المحظورات ويكبح لجام نفسه عن متابعة الشهوات ، فيفارق الزلة في الحال ، ويبرم العزيمة على أن يعود إلى مثلها في الاستقبال فإن مضى على موجب قصده ونفذ بمقتضى عزمه فهو الموفق صدقا ، وإن نقض التوبة مرة أو مرات وتحمله إرادته على تجديدها فقد يكون مثل هذا كثيرا ، فلا ينبغي قطع الرجاء عن توبة أمثال هؤلاء فإن لكل أجل كتابا ولا يتم له شيء من هذا إلا بعد فراغه من إرضاء خصومه والخروج عما لزمه من مظالمه فإن أول منزلة في التوبة إرضاء الخصوم بما أمكنه فإن اتسع ذات يده لإيصال حقوقهم إليهم أو سمحت نفوسهم بإحلاله والبراءة عنه ، وإلا فالعزم بقلبه على أنه يخرج من حقوقهم عند الإمكان والرجوع إلى اللّه تعالى بصدق الابتهال والدعاء لهم ، ( فإن من لم يصحح التوبة ) من قلبه ( ولم يهجر المعاصي الظاهرة ) والزلات المكشوفة للناس ، ( وأراد أن يقف على أسرار الدين بالمكاشفة ) الغيبية ( كان كمن يريد أن يقف على أسرار القرآن وتفسيره ) لما فيه من الغرائب ، ( وهو لم يتعلم لغة العرب بعد ) ولم يتقنها فأنى له ذلك ، ( فإن ترجمة غريب القرآن لا بد من تقديمها أولا ) وقد صنف فيه من المتقدمين أبو إسحاق الحربي ، وأبو إسحاق الزجاج ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، ثم تلاهم أبو منصور الأزهري ، وأبو عبيد الهروي وغيرهم ، ( ثم الترقي منها إلى أسرار معانيه ، فكذلك لا بد من