قلوب الخلق عنه . وإنما يرتفع حجاب التقليد بأن يترك التعصب للمذاهب ، وأن يصدق بمعنى قوله : « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه » تصديق إيمان ويحرص في تحقيق صدق بأن يرفع كل معبود له سوى اللّه تعالى - وأعظم معبود له الهوى - حتى إذا فعل ذلك انكشف له حقيقة الأمر في معنى اعتقاده الذي تلقّفه تقليدا ، فينبغي أن يطلب كشف ذلك من المجاهدة لا من المجادلة فإن غلب عليه التعصب لمعتقده ولم يبق في نفسه متسع لغيره صار ذلك قيدا له وحجابا . إذ ليس من شرط المريد الانتماء إلى مذهب معين
شرح
الدنيا ، فيكون قد زهد في أمر دنيوي واستعوض عنه ما هو أفضل منه في دينه ، فإن الزهاد جاههم أكمل من جاه أبناء الدنيا فإنهم يذلون للزهاد ويتبركون بهم ، فمتى شربت نفس المريد من هذا جرعة خشي عليه التلف منها فإن فيها من اللذة ما يدعو لطيبها . ثم قال القشيري : وإذا خطر ببال المريد أن له في الدنيا والآخرة قدرا أو قيمة أو على بسيط الأرض أحد دونه لم يصح له في الإرادة قدم لأنه يجب أن يجتهدوا ليعرف ربه لا ليحصل لنفسه قدرا ، وفرق بين من يريد اللّه وبين من يريده جاه نفسه إما في عاجله أو آجله ، ثم قال المصنف :
( وإنما يرتفع حجاب التقليد بأن يترك التعصب للمذاهب ) المتبوعة ، ( وأن يصدق بمعنى قوله : « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه » تصديق إيمان ) لا تصديق حديث نفس ( ويحرص في تحقيق صدقه بأن يرفع كل معبود له سوى اللّه ) هذا حال المريد في ابتداء أمره ، فإنه هكذا يلاحظ هذا المعنى ، وأما المتوسط فإنه يلاحظ رفع كل مقصود له سوى اللّه تعالى ، كما أن المنتهي يلاحظ رفع كل موجود سوى اللّه ، ولذا قال بعضهم : مال لم ينته السير إلى اللّه تكون ملاحظة لا موجود إلا اللّه كفرا . ونقل عن الشيخ بهاء الدين نقشبند قدس سره في معنى الكلمة الطيبة نفي الإلهية الطبيعية وإثبات المعبود بحق ، ومعنى الجملة الثانية أنك أدخلت نفسك في مقام فاتبعوني ، ( فأعظم معبود له الهوى ) ويدل له قوله تعالى :أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ[ الجاثية : 23 ] ( حتى إذا فعل ذلك انكشف له حقيقة الأمر في معنى اعتقاده الذي تلقفه ) من الأفواه ( تقليدا فينبغي أن يطلب كشف ذلك من المجاهدة ) العملية ( لا من المجادلة ) اللسانية ( فإن غلب عليه التعصب لعقيدة من العقائد ولم يبق في قلبه متسع لغيرها صار ذلك قيدا له وحجابا ) مانعا ( إذ ليس من شرط المريد الانتماء إلى مذهب معين أصلا ) وقال القشيري في الرسالة : أول قدم للمريد أن يكون على الصدق ليصح له البناء على أصل صحيح فتجب البداية بتصحيح اعتقاده بينه وبين اللّه تعالى صاف عن الظنون والشبه خال من الضلال والبدع صادر عن البراهين والحجج ويقبح للمريد أن ينتسب إلى مذهب من مذاهب أهل هذه الطريقة المختلفين سوى طريقة الصوفية ، والناس إما أصحاب النقل والأثر ، وإما أرباب العقل والفكر . وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة فالذي للناس غيب فهو لهم ظهور ، والذي للخلق من المعارف مقصود فهو لهم من الحق موجود فهم أهل الوصال والناس أهل الاستدلال ، وهم كما قال القائل :