واعلم أن من شاهد الآخرة بقلبه مشاهدة يقين أصبح بالضرورة مريدا حرث الآخرة مشتاقا إليها سالكا سبلها مستهينا بنعيم الدنيا ولذاتها ، فإن من كانت عنده خرزة فرأى جوهرة نفيسة لم يبق له رغبة في الخرزة وقويت ارادته في بيعها بالجوهرة ، ومن ليس مريدا حرث الآخرة ولا طالبا للقاء اللّه تعالى فهو لعدم إيمانه باللّه واليوم الآخر .
ولست أعني بالإيمان حديث النفس وحركة اللسان بكلمتي الشهادة من غير صدق وإخلاص ، فإن ذلك يضاهي قول من صدق بأن الجوهرة خير من الخرزة إلا أنه لا
شرح
على موجب الاشتقاق من له إرادة ، كما أن العالم من له علم لأنه من الأسماء المشتقة ولكن المريد في عرف هذه الطائفة من لا إرادة له ، فمن لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريدا كما أن من لا إرادة له على موجب الاشتقاق لا يكون مريدا وتكلم الناس في معنى الإرادة ، فكل عبر على ما لاح لقلبه فأكثر المشايخ قالوا : الإرادة ترك ما عليه العادة وعادة الناس في الغالب التعريج على أوطان الغفلة ، والركون إلى اتباع الشهوة والاخلاد إلى ما دعت إليه المنية ، والمريد منسلخ عن هذه الجملة فصار خروجه امارة على صحة الإرادة فسميت تلك الحالة إرادة وهي خروج عن العادة فإذا ترك العادة امارة الإرادة فأما حقيقتها فهي نهوض القلب في طلب الحق سبحانه ، ولهذا يقال : أنها لوعة تهون كل روعة . وسمعت الأستاذ أبا علي يقول : الإرادة لوعة في الفؤاد لدغة في القلب غرام في الضمير انزعاج في الباطن بنيران تتأجج في القلوب ، وفرقوا بين المريد والمراد فقالوا : المريد هو المبتدىء ، والمراد هو المنتهى ، وقيل : المريد هو الذي نصب بعين التعب وألقى في مقاساة المشاق ، والمراد هو الذي لقي بالأمر من غير مشقة فالمريد متعن والمراد مرفوق به مرفه وسنة اللّه تعالى في القاصدين مختلفة ، فأكثرهم يوفقون للمجاهدات ثم يصلونه بعد مقاساة اللتيا والتي إلى سني المعالي ، وكثير منهم يكاشفون في الابتداء بجليل المعاني ويصلون إلى ما لم يصل إليه كثير من أصحاب الرياضات إلا أن أكثرهم يرددون والمجاهدات بعد هذه الارفاق ليستوفي منهم ما فاتهم من أحكام أهل الرياضة . هذا حاصل ما أورده القشيري ، ثم نعود إلى شرح كلام المصنف . قال رحمه اللّه تعالى .
( اعلم أن من شاهد الآخرة بقلبه مشاهدة يقين أصبح بالضرورة مريدا حرث الآخرة )
يشير إلى قوله تعالى :مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ[ الشورى : 20 ] واستدل بهذه الآية على أصل الإرادة ( مشتاقا إليها سالكا سبلها مستهينا بنعيم الدنيا ولذاتها ، فإن من كان معه خرزة فرأى جوهرة نفيسة ) ثمينة ( لم تبق له رغبة في الخرزة ) إذ لا قيمة لها ( وقويت إرادته في بيعها بالجوهرة ، فمن ليس مريدا حرث الآخرة ولا طالبا للقاء اللّه ) تعالى ( فهو لعدم إيمانه باللّه واليوم الآخر . ولست أعني بالإيمان حديث القلب وحركة اللسان بكلمتي الشهادة من غير صدق وإخلاص ، فإن ذلك يضاهي قول من صدق بأن الجوهرة خير من الخرزة إلا أنه لا يدري من الجوهر إلا لفظه ) فقط ، ( فأما حقيقته فلا ،