تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 690

مساهمون:

ص٦٩٠
ابن أبي عبد اللّه العباداني فسألته عنها فأجابني ، فأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه وأتأدب بآدابه ، ثم رجعت إلى تستر ، فجعلت قوتي اقتصادا على أن يشتري لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي فأفطر عند السحر على أوقية كل ليلة بحتا بغير ملح ولا أدم ، فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة ، ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال ثم أفطر ليلة ثم خمسا ثم سبعا ثم خمسا وعشرين ليلة ، فكنت على ذلك عشرين سنة ، ثم خرجت أسيح في الأرض سنين ، ثم رجعت إلى تستر وكنت أقوم الليل كله ما شاء اللّه تعالى . قال أحمد : فما رأيته أكل الملح حتى لقي اللّه تعالى . بيان شروط الإرادة ومقدمات المجاهدة وتدريج المريد في سلوك سبيل الرياضة :
شرح
( يعرف بأبي حبيب حمزة بن عبد اللّه العباداني فسألته عنها فأجابني فأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه وأتادّب بآدابه ثم رجعت منها إلى تستر ) من أعمال الأهواز من كور فارس ، ( فجعلت قوتي اقتصادا على أن يشتري لي بدرهم من الشعير الفرق ) محركة وهو مكيال يقال أنه يسع ستة عشر رطلا هكذا ذكروه ، ( فيطحن ويخبز لي فأفطر عند السحر كل ليلة على أوقية واحدة بحتا ) أي خالصا ( بغير ملح ولا آدام فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة ) اعلم أنه بحساب كل أوقية في يوم يتحصل ثلاثون رطلا وكسر في السنة ، فإذا كان كل رطل باثني عشر أوقية لا يطابق ما تقدم من قول أهل اللغة أن الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلا . وقيل : الفرق ستة وثلاثون رطلا . وقيل : ثمانون رطلا وعلى كل حال لا ينطبق فتأمل ذلك . ووجدت في بعض نسخ الرسالة من الشعير الغرق بالغين صفة للشعير وهو الذي قد أصابه البلل من الأرض وهو رخيص الثمن فإن صحت هذه النسخة فالمعنى واضح ، ( ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال ثم أفطر ليلة ثم أطوي خمسا ) ثم أفطر ليلة ( ثم ) أطوي ( سبعا ) وأفطر ليلة ( ثم خمسا وعشرين ليلة ) وقد تيسر له ذلك بالتدريج ، ( وكنت على ذلك عشرين سنة ثم خرجت أسيح في الأرض سنين ثم رجعت إلى تستر وكنت أقوم الليل كله ) . وقد أورد هذه الحكاية القشيري في الرسالة والمقصود من سردها هنا أن أوائل الأمور إذا روعيت تتبعها المناهي ألا ترى إلى سهل كيف صان نفسه وأدبها في أول نشوها بالزهد والتقليل والجوع والعزلة حتى نال ما نال واللّه الموفق .

بيان شروط الإرادة ومقدمات المجاهدة وتدريج المريد في سلوك سبيل الرياضة :

ولنقدم قبل الخوض في شرح كلام المصنف تحقيق معنى الإرادة والمريد . قال القشيري في الرسالة : الإرادة بدوّ طريق السالكين وهي اسم لاوّل منزلة القاصدين إلى اللّه تعالى ، وإنما سميت هذه الصفة إرادة لأن الإرادة مقدمة كل أمر فما لم يرد العبد شيئا لم يفعله ، فلما كان هذا أول الأمر لمن سلك طريق اللّه تعالى سمي إرادة تشبيها بالقصد في الأمور الذي هو مقدماتها ، والمريد