والديه ، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة ، وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه ، فإن عوّد الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب ، وإن عوّد الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيّم عليه والوالي له . وقد قال اللّه عز وجل :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً
[ التحريم : 6 ] ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى ، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الاخلاق ويحفظه من القرناء السوء ولا يعوّده التنعم ، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد ، بل ينبغي أن
شرح
الطاهر ) عن كل كدر ( جوهرة نفيسة ) ثمينة ( ساذجة خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل لكل نقش ) كما أن كل جوهر ساذج مستعد لقبول كل نقش وصورة ( ومائل إلى كل ما يمال به ) خيرا أو شرا ( فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه ) بأن يثبت مثل ذلك في صحائف أعمالهما ، ( وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك ، وكان الوزر في رقبة القيم به والوالي عليه ) كيف لا ، ( وقد قال اللّه تعالى ) في كتابه العزيزيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْأي احفظوها :وَأَهْلِيكُمْ ناراًوالأصل في الأهل القرابة ، وقد يطلق على الاتباع والجمع الأهلون . ( ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا ) بأن تصيبه ( فبأن يصونه من نار الآخرة أولى وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ) ومكارمها وصالحها ، ( ويحفظه من القرناء السوء ولا يعوده التنعم ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية ) أي سعة العيش ( فيضيع عمره في طلبها إذا كبر ) على تلك العادة ، ( ويهلك هلاك الأبد ، بل ينبغي أن يراقبه من أوّل أمره ) وحيث قال من أول أمره فهو منسحب على الأولية من حيث ولادته إلى أن يفطم ، فلزم بيان ما يحتاج إليه في أثناء ذلك ، فنقول : إذا ولد المولود يجب أن يبدأ كل شيء بقطع السرة وهو جسم كالمصران متصل بسرته منه ، ويكون القطع فوق أربع أصابع ، وإنما وجب قطع هذا الجسم لأنه لو بقي على طوله لتعفن وتضرر الصبي برائحته ، وربما وصلت عفونته إلى السرة . وإنما جعل القطع فوق أربع أصابع لأنه لو كان أقل من ذلك لتألم المولود به تألما شديدا ، ثم بعد شدها يتبادر إلى تمليح البدن لتصلب بشرته ويقوى جلده ، فإن كان ذكرا ينبغي أن يكثر الملح لأنه أحوج إلى صلابة البدن ليكون صبورا على ما يلقاه من المشتقات بخلاف الأنثى ولا يملح أنفه ولا فمه ، ثم تغسله القابلة بماء فاتر وتنقي منخريه دائما بأصابع مقلمة الأظفار ويدعدع دبره لينفتح ثم في وقت القماط يشكل كل عضو على أحسن شكله بغمز لطيف ثم يعمم أو يقلنس بقلنسوة لطيفة منهدمة على رأسه ، وينوم في محل معتدل مائل إلى الظلمة حفظا لروحه الباصرة ، ويغطي المهد بخرقة اسمانجونية ، والطفل يبكي إما لوجع يناله ، أو حر أو برد أو جوع ، أو من قمل وبراغيث وبق يؤذيه ، فإن كان شيء من ذلك فالواجب أن يبادر إلى دفعه .