تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 682

مساهمون:

ص٦٨٢
أن يحسن مراقبته ، وأوّل ذلك ظهور أوائل الحياء ، فإنه إذا كان يحتشم ويستحيي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه ، حتى يرى بعض الأشياء قبحا ومخالفا للبعض فصار يستحيي من شيء دون شيء ، وهذه هدية من اللّه تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ ، فالصبي المستحيي لا ينبغي أن يهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه ، وأوّل ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام فينبغي أن يؤدب فيه مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه ، وأن يقول عليه بسم اللّه عند أخذه ، وأن يأكل مما يليه وأن لا يبادر إلى الطعام قبل غيره ، وأن يحدق النظر إليه ولا إلى من يأكل ، وأن لا يسرع في الأكل ، وأن يجيد المضغ ، وأن لا يوالي بين اللقم ، ولا يلطخ يده ولا ثوبه ، وان يعوّد الخبز القفار في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم حتما ، ويقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبه كل من يكثر الأكل
شرح
أو غم شديد ، وذلك بأن يتأمل كل وقت ما الذي يشتهيه ويحن إليه فيقرب إليه ، وما الذي يكرهه فينحّى عن وجهه . وفي ذلك منفعتان . إحداهما : في نفسه بأن ينشأ من الطفولة حسن الأخلاق ويصير ذلك ملكة له لازمة ، والثانية لبدنه فإنه كما أن الأخلاق الرديئة تابعة لأنواع سوء المزاج ، فكذلك إذا حدثت من العادة استتبعت المزاج المناسب ، فإن الغضب يسخن جدا والغم يجفف جدا والتبليد يرخي القوى النفسانية ويميل المزاج إلى البلغمية . ( ومهما بدا فيه مخايل التمييز ) وهو إذا دخل في ست أو سبع ، ( فينبغي أن يحسن مراقبته ، وأول ذلك ظهور أوائل الحياء ) فيه ، ( فإذا كان يحتشم ويستحيي ويترك بعض الأفعال ) وذلك عند رؤية من يحتشم منه ، ( فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه حتى رأى بعض الأشياء قبيحا ومخالفا للبعض فصار يستحيي من شيء دون شيء . وهذه ) الحالة إذا تيسرت فيه ( هدية من اللّه تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ ) وهذه الحالة كالدلالة عليه ، ( فالصبي المستحيي لا ينبغي أن يهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه ، فأوّل ما يغلب عليه من الصفات ) الخبيثة ( شره الطعام ) أي الحرص عليه ، ( فينبغي أن يؤدب فيه ) على أدب الشرع ( مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه ويقول : بسم اللّه عند أخذه ويأكل مما يليه ) منفردا أو مع جماعة ( ولا يبادر إلى الطعام قبل غيره ) بل يصبر عن مد اليد حتى يمد غيره ، ( ولا يحدق إلى الطعام ) أي لا يطيل بحدقته إليه ( ولا إلى من يأكل ، ولا يسرع في الأكل ويمضغ الطعام مضغا جيدا ) بأسنانه ( ولا يوالي ) أي لا يتابع ( بين اللقم ) فإن كل ذلك من أمارات الشره ودناءة النفس والهمة ، فينبغي أن يجنب من ذلك ، ( ولا يلطخ يده ) بالطعام غير أصابعه الثلاثة ، ( ولا ثوبه ) بأن يتساقط عليه شيء منه فإن كلّا منهما يدلان على الدناءة ( ويعود الخبز القفار ) أي اليابس وحده ( في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم ) معه ( حتما ) لازما ، ( ويقبح عنده كثرة الأكل
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 682 | مرتضى الزبيدي