تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 668

مساهمون:

ص٦٦٨
يفارقه وهو ذكر اللّه تعالى ، فإن ذلك يصحبه في القبر ولا يفارقه . وكل ذلك يتم بالصبر أوّلا أياما قلائل فإن العمر قليل بالإضافة إلى مدة حياة الآخرة . وما من عاقل إلا وهو راض باحتمال المشقة في سفره وتعلم صناعة وغيرها شهرا ليتنعم به سنة أو دهرا . وكل العمر بالإضافة إلى الأبد أقل من الشهر بالإضافة إلى عمر الدنيا . فلا بدّ من الصبر والمجاهدة . فعند الصباح يحمد القوم السرى وتذهب عنهم عمايات الكرى ، كما قاله علي رضي اللّه عنه . وطريق المجاهدة والرياضة لكل إنسان تختلف بحسب اختلاف أحواله . والأصل فيه أن يترك كل واحد ما به فرحه من أسباب الدنيا ، فالذي يفرح بالمال أو بالجاه أو بالقبول في الوعظ أو بالعز في القضاء والولاية أو بكثرة الاتباع في التدريس والإفادة ، فينبغي أن يترك أولا ما به فرحه ، فإنه إن منع عن شيء من ذلك فقيل له ثوابك في الآخرة لم ينقض بالمنع فكره ذلك وتألم به فهو ممن فرح بالحياة الدنيا واطمأن بها ، وذلك مهلك في حقه . ثم إذا ترك أسباب الفرح فليعتزل الناس ولينفرد بنفسه وليراقب قلبه حتى لا يشتغل إلا بذكر اللّه تعالى والفكر فيه ، وليترصد لما يبدو في نفسه من شهوة
شرح
( ويشقى لا محالة لفراقه شغل قلبه بحب ما لا يفارقه ) أبدا ( وهو ذكر اللّه تعالى ، فإن ذلك يصحبه في القبر ولا يفارقه وكل ذلك يتم بالصبر أياما قلائل فالعمر قليل بالإضافة إلى مدة حياة الآخرة ) فإنها أبدية ( وما من عاقل إلا وهو راض باحتمال المشقة ) والتعب ( في سفره وتعلم صناعته وغير ذلك شهرا يتنعم به سنة ، فكل العمر بالإضافة إلى الأبد أقل من الشهر بالإضافة إلى عمر الدنيا ، فلا بد من الصبر والمجاهدة فعند الصباح يحمد القوم السرى ) وهو سير الليل ، فمن أسهر ليله ساريا إلى مقصوده فإذا أصبح ورأى نفسه قد قطع مفاوز لم يكن يمكن قطعها في النهار يحمد نفسه على حسن اجتهاده لنيله مقصوده ، بخلاف من آثر الكسل واختار الراحة والنوم يندم إذا أصبح عليه النهار وهذا مثل مشهور . ( وطريق الرياضة والمجاهدة بكل إنسان يختلف بحسب اختلاف أحواله والأصل فيه أن يترك كل واحد ما به فرحه من أسباب الدنيا . فالذي يفرح بالمال أو بالجاه أو بالقبول في الوعظ ) على العامة ( أو بالعز في القضاء والولاية ) للأعمال ( أو بكثرة الأتباع ) من الطلبة ( في التدريس والإفادة ) أو بكثرة المريدين في مشيخة الزاوية ، ( فينبغي أن يترك أوّلا ما به فرحه وابتهاجه فإنه إن منع عن شيء من ذلك وقيل له ثوابك في الآخرة لم ينقص بالمنع فكره ذلك وتألم به ، فهو ممن فرح بالحياة الدنيا واطمأن إليها ، وذلك مهلك في حقه ، ثم إذا ترك أسباب الفرح فليعتزل الناس ولينفرد بنفسه وليراقب قلبه حتى لا يشتغل إلا بذكر اللّه والفكر فيه ) ويحفظ هذه الكيفية حتى يرسخ فيه الذكر وليترصد لما يبدر في نفسه من شهوة