تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 666

مساهمون:

ص٦٦٦
قاسية نفرة بعيدة التأثر عن ذكر اللّه واليوم الآخر ، وجربوها في حالة الحزن فوجدوها لينة رقيقة صافية قابلة لأثر الذكر . فعلموا أن النجاة في الحزن الدائم والتباعد من أسباب الفرح والبطر ، ففطموها عن ملاذها وعوّدوها الصبر عن شهواتها - حلالها وحرامها - وعلموا أن حلالها حساب وحرامها عقاب ومتشابهها عتاب وهو نوع عذاب ، فمن نوقش الحساب في عرصات القيامة فقد عذب . فخلصوا أنفسهم من عذابها وتوصلوا إلى الحرية والملك الدائم في الدنيا والآخرة بالخلاص من أثر الشهوات ورقها والأنس بذكر اللّه عز وجل والاشتغال بطاعته . وفعلوا بها ما يفعل بالبازي إذا قصد تأديبه ونقله من التوثب والاستيحاش إلى الانقياد والتأديب ؛ فإنه يحبس أوّلا في بيت مظلم وتخاط عيناه حتى يحصل به الفطام عن الطيران في جوّ الهواء ، وينسى ما قد كان ألفه من طبع الاسترسال ، ثم يرفق به باللحم حتى يأنس بصاحبه ويألفه إلفا إذا دعاه أجابه ، ومهما سمع صوته رجع إليه . فكذلك النفس لا تألف ربها ولا تأنس بذكره إلا
شرح
بمؤاتاة الدنيا ) وموافقتها ( فوجدوها قاسية بطرة بعيدة ) بطيئة ( من التأثر بذكر اللّه ) تعالى ( واليوم الآخر ، وجربوها في حال الحزن فوجدوها لينة ) هينة ( رقيقة صافية قابلة لأثر الذكر ، فعلموا أن النجاة في الحزن الدائم والتباعد عن أسباب البطر والفرح ) وأن الهلاك الدائم في أسباب الفرح ، ( ففطموها عن ملاذها ) ومتنعماتها ( وعوّدوها الصبر عن شهواتها حلالها وحرامها ) وللّه دار القائل :إن للّه عبادا فطنا * طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا * انها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا * صالح الأعمال فيها سفنا( وعلموا أن حلالها حساب وهو نوع عذاب ، فمن نوقش الحساب في عرصات القيامة فقد عذب ) . وقد روى الشيخان من حديث عائشة « من نوقش الحساب عذب » وروى الطبراني في الكبير من حديث ابن الزبير من نوقش المحاسبة هلك ، ( فخلعوا أنفسهم من عذابها وتوصلوا إلى الحرية ) الحقيقية ( والملك في الدنيا والآخرة بالخلاص عن أسر الشهوات ورقها والإنس بذكر اللّه تعالى والاشتغال بطاعته ) على الدوام . ( وفعلوا بها ما يفعل بالبازي ) الذي يتخذ للصيد ( إذا قصد تأديبه ) وتهذيبه ، ( ونقله عن توثبه وتوحشه ) كما هو من طبعه ( إلى الانقياد ) والامتثال للصائد ( والتأدب ) عند الإرسال والدعاء ، ( فإنه يحبس أوّلا في بيت وتخاط عيناه ) بأن يجعل عليهما حجاب كالأقماع ( حتى يحصل به الفطام عن الطيران في جوّ الهواء وينسى ما كان قد ألفه من طبع الاسترسال ثم يرفق به باللحم ) قليلا قليلا على التدريج ، ( حتى يأنس بصاحبه ويألفه إلفا إذا دعاه أجابه ومهما سمع صوته رجع إليه ) ولو كان بعيدا . ( وكذلك النفس لا تألف ربها ولا تأنس بذكره إلا إذا فطمت عن عاداتها )