حتى تموت منه شهوة الكلام فلا يتكلم إلا بحق فيكون سكوته عبادة وكلامه عبادة . ومهما اعتادت العين رمي البصر إلى كل شيء جميل لم تتحفظ عن النظر إلى ما لا يحل ، وكذلك سائر الشهوات ، لأن الذي يشتهي به الحلال هو بعينه الذي يشتهي به الحرام ، فالشهوة واحدة وقد وجب على العبد منعها من الحرام فإن لم يعوّدها الاقتصار على قدر الضرورة من الشهوات غلبته . فهذه إحدى آفات المباحات ووراءها آفات عظيمة أعظم من هذه ، وهو أن النفس تفرح بالتنعم في الدنيا وتركن إليها وتطمئن إليها أشرا وبطرا حتى تصير ثملة كالسكران الذي لا يفيق من سكره . وذلك الفرح بالدنيا سم قاتل يسري بالعروق فيخرج من القلب الخوف والحزن وذكر الموت وأهوال يوم القيامة ، وهذا هو موت القلب . قال اللّه تعالى :
وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها
[ يونس : 7 ] وقال تعالى :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ
[ الرعد : 26 ] وقال تعالى :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
[ الحديد : 20 ] الآية . وكل ذلك ذم لها فنسأل اللّه السلامة .
فأولوا الحزم من أرباب القلوب جربوا قلوبهم في حال الفرح بمؤاتاة الدنيا فوجدوها
شرح
الضرورية ، ( حتى تموت منه شهوة الكلام فلا يتكلم إلا بحق ) في حق عن حق ، ( فيكون سكوته عبادة وكلامه عبادة ) إذا كانا بحق . ( ومهما اعتادت العين رمي البصر إلى كل شيء جميل لم تتحفظ من النظر إلى ما لا يحل ) من المحظورات ، ( وكذلك سائر الشهوات لأن الذي يشتهي به الحلال هو بعينه الذي يشتهي به الحرام ، فالشهوة واحدة . وقد وجب على العبد منعها عن الحرام ، فإن لم تتعود الاقتصار على قدر الضرورة في الشهوات غلبته الشهوة ) فاستولت عليه . ( فهذه إحدى آفات المباحات ، ووراء هذا آفة أعظم من هذه ، وهو أن النفس تفرح بالتنعم بالدنيا وتركن إليها وتطمئن بها ) وينشرح صدره لزخارفها ( أشرا ) أي فرحا ( وبطرا حتى تصير ممتلئة بها كالسكران الذي لا يفيق من سكره ، وذلك الفرح بالدنيا ) بهذا الحد ( سم قاتل يسري في العروق ) ويمتلئ به البدن ( فيخرج من القلب الخوف ) من اللّه تعالى ( والحزن الذي قال مالك بن دينار : القلب العاري منه خراب كالدار ) التي لا ساكن بها ، ( وذكر الموت وأهوال القيامة وهذا هو موت القلب ) أعاذنا اللّه من ذلك ، ( قال اللّه ) تعالى :( وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌوقال تعالى :اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌإلى قولهإِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ) وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا الباب .
( فأولو الحزم ) والبصيرة المنوّرة ( من أرباب القلوب جربوا قلوبهم في حالة الفرح