إذا فطمت عن عادتها بالخلوة والعزلة أولا ليحفظ السمع والبصر عن المألوفات ، ثم عوّدت الثناء والذكر والدعاء ثانيا في الخلوة حتى يغلب عليها الانس بذكر اللّه عز وجل عوضا عن الأنس بالدنيا وسائر الشهوات ، وذلك يثقل على المريد في البداية ثم يتنعم به في النهاية ، كالصبي يفطم عن الثدي وهو شديد عليه إذا كان لا يصبر عنه ساعة فلذلك يشتد بكاؤه وجزعه عند الفطام ، ويشتد نفوره عن الطعام الذي يقدم إليه بدلا عن اللبن ، ولكن إذا منع اللبن رأسا يوما فيوما وعظم تعبه في الصبر عليه وغلبه الجوع تناول الطعام تكلفا . ثم يصير له طبعا . فلو ردّ بعد ذلك إلى الثدي لم يرجع إليه فيهجر الثدي ويعاف اللبن ويألف الطعام . وكذلك الدابة في الابتداء تنفر عن السرج واللجام والركوب فتحمل على ذلك قهرا ، وتمنع عن السراح الذي ألفته بالسلاسل والقيود أولا ، ثم تأنس به بحيث تترك في موضعها فتقف فيه من غير قيد .
فكذلك تؤدّب النفس كما يؤدّب الطير والدواب ، وتأديبها بأن تمنع من النظر والأنس والفرح بنعم الدنيا بل بكل ما يزايلها بالموت ، إذ قيل له أحبب ما أحببت فإنك مفارقه .
فإذا علم أن من أحب شيئا يلزمه فراقه ويشقى لا محالة لفراقه شغل قلبه بحب ما لا
شرح
المألوفة ( بالخلوة والعزلة أوّلا لتحفظ السمع والبصر عن المألوفات ) العادية ، ( ثم عوّدت الثناء ) والتحميد والتقديس ( والذكر ) باللسان والقلب معا ( والدعاء ) والتضرع والابتهال ( ثانيا في الخلوة ) وعلى حين الغفلة عن الناس حتى يغلب عليها الانس والاطمئنان ( بذكر اللّه ) تعالى ( عوضا عن الإنس بالدنيا وسائر الشهوات ، وذلك يثقل على المريد في البداية ) أي في أوّل دخوله في السلوك ، ( ثم يتنعم به ) ويستلذه ( في النهاية ) أي عند انتهاء أمره في السلوك ( كالصبي ) الرضيع الذي ( يفطم عن الثدي وهو ) أي الفطم ( شديد عليه ) جدا ( إذا كان ) قد ألفه ( لا يصبر عنه ساعة ) فلذلك تراه ( يشتد بكاؤه وجزعه عند الفطام ) ويهزل جسده ويصفر لونه ( ويشتد نفوره عن الطعام الذي يقدم إليه بدلا عن اللبن ، ولكنه إذا منع اللبن رأسا يوما بعد يوم وعظم تعبه في الصبر وغلبه الجوع تناول الطعام تكلفا ) وهلم جرّا ( ثم يصير طبعا فيما بعد ، فلو ردّ إلى الثدي ) ثانيا ( لم يرجع إليه فيهجر الثدي ويعاف اللبن ) أي يكرهه ( ويألف الطعام ، وكذلك الدابة في الابتداء تنفر عن السرج واللجام والركوب فتحمل على ذلك قهرا ) عليها ( وتمنع عن الانسراح ) والاسترسال ( الذي ألفته بالسلاسل والقيود أوّلا ، ثم تأنس به بحيث تترك في موضعها فتقف فيه من غير قيد ) ولا سلسلة ، ( فكذلك تؤدب النفس كما تؤدب الطيور والدواب وتأديبها بأن تمنع عن الأشر والبطر والفرح بنعيم الدنيا بل بكل ما تزايله ) أي تفارقه ( بالموت فيقال لها : أحبب ما أحببت فإنك مفارقه ) روى الترمذي والبيهقي من حديث أبي هريرة « أحبب حبيبك هونا مّا عسى أن يكون بغيضك يوما مّا » الحديث . ( فإذا علم أنه من أحب شيئا يلزمه فراقه ) بالموت