تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 664

مساهمون:

ص٦٦٤
مع اللّه تعالى فلو سألته أن يحميك من شهوة الرمان فإن لدغ الرمان يجد الانسان ألمه في الآخرة ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا ، فتركته ومضيت . وقال السري : أنا منذ أربعين سنة تطالبني نفسي أن أغمس خبزة في دبس فما اطعمتها . فإذا لا يمكن إصلاح القلب لسلوك طريق الآخرة ما لم يمنع نفسه عن التنعم بالمباح ، فإن النفس إذا لم تمنع بعض المباحات طمعت في المحظورات ، فمن أراد حفظ لسانه عن الغيبة والفضول فحقه أن يلزمه السكوت ؛ إلا عن ذكر اللّه وإلا عن المهمات في الدين ،
شرح
( فلو سألته أن يحميك من هذه الزنابير ) ويقيك من أذاها كان خيرا لك . ( فقال : ) وأنا أيضا ( أرى لك حالا مع اللّه ) تعالى ( فلو سألته أن يحميك شهوة الرمان ) كان خيرا لك ، ( فإن لدغ الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا ) وألم الدنيا أهون من ألم الآخرة ، ( فتركته ومضيت ) لشأني خشية أن أشتغل به فيفسد به علي توكلي دل كلام المطروح الأول على أنه من العارفين ، وكلامه الثاني أنه من المكاشفين ، ودل سياق القصة على أن شهوة الرمان وإن كان مباحا أكله فهي من جملة الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة وأي خطيئة أعظم من بقاء الألم إلى آخر الأبد . ( وقال ) القشيري أيضا : سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت ( السري ) السقطي يقول : ( منذ ) ثلاثين أو ( أربعين سنة تطالبني نفسي أن أغمس خبزا في دبس فما أطعمتها ) ذلك ، وإنما ذكر هذا لمن يقتدى به من أصحابه بكمال مجاهدته لنفسه وتعظيمه لربه ومخالفته لما تركه لوجهه . وروى أبو نعيم في ترجمة مالك بن دينار من الحلية قال : قال مالك بن دينار لرجل من أصحابه : إني لأشتهي رغيفا بلبن رائب . قال : فانطلق فجاء به . قال : فجعل له على الرغيف ، فجعل مالك يقلبه وينظر إليه ثم قال : اشتهيتك منذ أربعين سنة فغلبتك حتى كان اليوم تريد أن تغلبني إليك عني وأبى أن يأكله . ومن طريق المنذر أبي يحيى قال : رأيت مالك بن دينار ومعه كراع من هذه الأكارع التي قد طبخت . قال : فهو يشمه ساعة فساعة . قال : ثم مرّ على شيخ مسكين على ظهر الطريق يتصدق بقال : هاه يا شيخ فناوله إياه ثم مسح يده بالجدار ، ثم وضع كساءه على رأسه وذهب ، فلقيت صديقا له فقلت : رأيت من مالك كذا وكذا . قال : أنا أخبرك كان يشتهيه منذ زمان فاشتراه ، فلم تطب نفسه أن يأكله فتصدق به . ( فإذا لا يمكن إصلاح القلب لسلوك طريق اللّه ما لم يمنع النفس من التنعم بالمباح فإن النفس إذا لم تمنع بعض المباحات طمعت في المحظورات ) ولم تزل به حتى توقعه فيها ، ( فمن أراد حفظ لسانه عن الغيبة والفضول فحقه أن يلزمه السكوت ) أبدا ( إلا عن المهمات )
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 664 | مرتضى الزبيدي