النار لكن يخرج منها لا محالة لقوّة ذكر اللّه تعالى في قلبه وتمكنه من صميم فؤاده ، وإن كان ذكر الدنيا أغلب على قلبه : اللهم إنا نعوذ بك من خزيك فإنك أنت المعاذ .
وربما يقول القائل ان التنعم بالمباح مباح ، فكيف يكون التنعم سبب البعد من اللّه عز وجل ؟ وهذا خيال ضعيف بل حب الدنيا رأس كل خطيئة وسبب احباط كل حسنة .
والمباح الخارج عن قدر الحاجة أيضا من الدنيا وهو سبب البعد - وسيأتي ذلك في كتاب ذم الدنيا - وقد قال إبراهيم الخوّاص : كنت مرة في جبل اللكام فرأيت رمانا فاشتهيته فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة فمضيت وتركتها ، فرأيت رجلا مطروحا وقد اجتمعت عليه الزنابير فقلت : السلام عليك ، فقال : وعليك السلام يا إبراهيم ، فقلت : كيف عرفتني ؟ فقال : من عرف اللّه عز وجل لم يخف عليه شيء ، فقلت : أرى لك حالا مع اللّه عز وجل فلو سألته أن يحميك من هذه الزنابير ؟ فقال : وأرى لك حالا
شرح
النار ، ولكن يخرج منها لا محالة لقوة ذكر اللّه في قلبه وتمكنه من صميم فؤاده ، وإن كان ذكر الدنيا أغلب عليه ) ويؤيده ما تقدم في الخبر : « أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردلة من الإيمان » .
( وربما يقول القائل : إن التنعم بالمباح مباح ، فكيف يكون سبب البعد من اللّه ) تعالى ؟
( فهذا خيال ضعيف بل حب الدنيا رأس كل خطيئة ) كما رواه البيهقي في الشعب بإسناد حسن إلى الحسن البصري مرسلا مرفوعا . وأورده الديلمي في الفردوس وتبعه ولده بلا إسناد عن علي مرفوعا ، وهو عند البيهقي أيضا في الزهد ، وأبي نعيم في الحلية في ترجمة الثوري من قول عيسى ابن مريم عليه السلام ، وعند ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان من قول مالك بن دينار ، وعند ابن يونس في ترجمة سعد بن مسعود التجيبي من تاريخ مصر له من كلام سعد هذا . ( والمباح الخارج عن قدر الحاجة من الدنيا أيضا وهو سبب البعد ، وسيأتي ذكره في كتاب ذم الدنيا ) إن شاء اللّه تعالى . ( وقد قال ) القشيري في الرسالة : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت الحسين بن يحيى يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت ( إبراهيم الخواص ) يقول : ( كنت في جبل اللكام ) كغراب جبل بالشام أعلى الجبال وأشمخها وهو مأوى العباد والصالحين ، ( فرأيت رمانا ) أي شجرا عليه رمان وكنت عزمت على تركه للّه تعالى ( فاشتهيته ) لما مررت به ، فدنوت ( فأخذت منه رمانة واحدة فشققها فوجدتها حامضة ) فلم آكل منها شيئا أدب بذلك لمخالفة عزمه ، ( فمضيت وتركت الرمان ، فرأيت رجلا مطروحا ) على الأرض ( قد اجتمع عليه الزنابير ) أي الدبر تقع على جراحاته ، ( فقلت : السلام عليك . فقال : وعليك السلام يا إبراهيم ، فقلت ) له : ( كيف عرفتني ؟ فقال : من عرف اللّه لا يخفى عليه شيء ) بأن ييسر اللّه له كل ما يريده تارة بالسؤال وتارة بغيره ، ( فقلت ) له : ( أرى لك حالا مع اللّه ) تعالى ،