إلى الدنيا إلا من لاحظ له في الآخرة بحال ، ولا خلاص منه إلا بأن يكون القلب مشغولا بمعرفة اللّه وحبه والتفكر فيه والانقطاع إليه ، ولا قوّة على ذلك إلا باللّه ، ويقتصر من الدنيا على ما يدفع عوائق الذكر والفكر فقط . فمن لم يقدر على حقيقة ذلك فليقرب منه والناس فيه أربعة .
الأول : رجل مستغرق قلبه بذكر اللّه فلا يلتفت إلى الدنيا إلا في ضرورات المعيشة فهو من الصديقين ، ولا ينتهي إلى هذه الرتبة إلا بالرياضة الطويلة والصبر عن الشهوات مدة مديدة .
الثاني : رجل استغرقت الدنيا قلبه ولم يبق اللّه تعالى ذكر في قلبه إلا من حيث حديث النفس ، حيث يذكره باللسان لا بالقلب فهذا من الهالكين .
والثالث : رجل اشتغل بالدنيا والدين ، ولكن الغالب على قلبه هو الدين فهذا لا بد له من ورود النار إلا أن ينجو منها سريعا بقدر غلبة ذكر اللّه تعالى على قلبه .
والرابع : رجل اشتغل بهما جميعا ، لكن الدنيا أغلب على قلبه فهذا يطول مقامه في
شرح
استثني في الأحاديث الواردة كالشهيد وأضرابه ، فإنهم يتمنون الرجوع إلى الدنيا لا لأجل الدنيا بل لما يرون من حظ الآخرة المترتب على ذلك العمل الذي فارقوا عليه . ( ولا خلاص عن ذلك إلا بأن يكون القلب مشغولا بمعرفة اللّه وحبه والتفكر فيه ويقتصر من الدنيا على ما يدفع عوائق الفكرة والذكر فقط ) ويراعي فيه حال كل إنسان بحسب ما يقتضيه وقته ، ( فمن لم يقدر على حقيقة ذلك فليقرب منه ، فالناس فيه أربعة ) .
( الأول : رجل استغرق ذكر اللّه قلبه فلا يلتفت إلى الدنيا إلا في ضرورات المعيشة ) التي لا بد منها ، ( فهو من الصديقين ) وهذا الاستغراق يكون بالذكر القلبي والمراقبة الدائمة حتى يمتزج باطن القلب بالذكر فلا يجد مساعا فيه لغيره ، ( ولا ينتهي إلى هذه الرتبة إلا بالرياضة الطويلة ) والمجاهدة الشاقة ، ( والصبر عن الشهوات مدة مديدة ) حتى تتمرن النفس على ذلك .
( والثاني : رجل استغرقت الدنيا قلبه ) واستولت عليه من سائر نواحيه ، ( فلم تبق للّه ذكرا في قلبه إلا من حيث حديث النفس حيث يذكره باللسان ) ولا يجاوز قلبه فجميع عباداته عادات ومراءاة . ( وهذا من الهالكين ) في أودية الغفلة والضلال .
( والثالث : رجل اشتغل بالدين والدنيا جميعا لكن الغالب على قلبه هو الدين ، فهذا بدّ له من ورود النار إلا أنه ينجو منها سريعا بقدر غلبة ذكر اللّه على قلبه .
والرابع : رجل يشتغل بهما جميعا ، لكن الدنيا أغلب على قلبه ، فهذا يطول مقامه في